اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - في الحياة العامة الأردنية أسماء كثيرة مرت على مواقع المسؤولية، بعضها تولى حقائب وزارية ومواقع تنفيذية وتشريعية ودبلوماسية رفيعة، وبعضها أمضى سنوات طويلة في مؤسسات الدولة. وخلال وجود أصحابها في مواقعهم، كانت الكاميرات تعرف طريقها إليهم، وكانت التصريحات والمقابلات والمنابر جزءاً طبيعياً من حضورهم. لكن المفارقة تظهر عندما يغادر بعضهم الموقع، ثم يمر الوطن بمرحلة صعبة يحتاج فيها إلى خبرة رجاله وأصواتهم ومواقفهم، فنكتشف أن كثيراً من ذلك الحضور اختفى مع المنصب.
هذه ليست دعوة إلى أن يتحول كل مسؤول سابق إلى معلق يومي على الأحداث، ولا أن يدخل في سجال سياسي كلما وقعت أزمة. فالصمت في بعض المواقف حكمة، والدولة لا تحتاج إلى ازدحام الأصوات. لكن هناك فارقاً بين الصمت المسؤول وبين الغياب الكامل، خصوصاً عندما يتعرض الأردن لضغوط أو حملات أو ظروف إقليمية استثنائية، ويصبح الدفاع عن المصلحة الوطنية مسؤولية عامة لا وظيفة رسمية فقط.
المسؤول السابق يمتلك شيئاً لا يمتلكه المواطن العادي؛ فقد جلس في غرف القرار، وعرف مؤسسات الدولة، وتعامل مع ملفاتها، وبنى شبكة علاقات، واكتسب خبرة دفعت الدولة والمجتمع جزءاً من كلفتها. ولذلك فإن انتهاء الوظيفة لا يعني انتهاء القيمة العامة لهذه الخبرة. المنصب ينتهي بقرار، أما المسؤولية الوطنية فلا يفترض أن تنتهي بانتهاء السيارة الرسمية أو المكتب أو الصفة الوظيفية.
المشهد يصبح أكثر إثارة للتساؤل عندما نقارن بين سرعة بعض المسؤولين السابقين في الظهور الإعلامي عند الحديث عن تجاربهم وإنجازاتهم، وبين غيابهم عندما يصبح البلد نفسه بحاجة إلى كلمة واضحة. تجد من يستطيع الحديث ساعات عن سنواته في الحكومة، وعن القرارات التي اتخذها والاجتماعات التي حضرها والمواقف التي عاشها، لكن عندما يتعرض الأردن لحملة تضليل أو ضغط سياسي أو اقتصادي، يصبح الوصول إلى موقف منه أكثر صعوبة.
الوطن في الأزمات لا يحتاج فقط إلى المسؤول الموجود في موقعه. يحتاج أيضاً إلى تراكم الدولة كله. رئيس الحكومة السابق يمتلك خبرة، والوزير السابق يمتلك معرفة بقطاعه، والدبلوماسي السابق لديه علاقات وفهم للعالم، والعسكري المتقاعد يحمل تجربة، والمسؤول الاقتصادي السابق يستطيع تفسير الأرقام والقرارات للرأي العام. هذه الثروة لا ينبغي أن تدخل في حالة تقاعد وطني بمجرد انتهاء التكليف الرسمي.
وفي المقابل، يجب أن نكون منصفين؛ فهناك مسؤولون سابقون لم ينقطعوا عن الشأن العام، ويقدمون آراءهم وخبراتهم بهدوء، ويشاركون في الندوات والمؤسسات والجامعات والحوارات الوطنية، وبعضهم يؤدي أدواراً بعيداً عن الكاميرات. لذلك فإن الحديث هنا ليس حكماً عاماً على كل من غادر المسؤولية، بل نقد لظاهرة تستحق الانتباه: أن يرتبط الحضور العام لدى البعض بالموقع أكثر مما يرتبط بالمسؤولية.
الأردن اليوم يعيش في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية تعقيداً. ما يحدث في فلسطين وسوريا والعراق، والتحولات في المنطقة، والتوترات العسكرية والسياسية، كلها ملفات تمس المملكة بدرجات مختلفة. وفي مثل هذه الظروف تصبح الجبهة الداخلية أكثر أهمية، ليس بمعنى الاصطفاف الشكلي أو إلغاء الاختلاف، وإنما بمعنى وجود نخب قادرة على تفسير موقف الدولة والدفاع عن مصالحها وتقديم قراءة عقلانية أمام مجتمع يتعرض يومياً لكم هائل من المعلومات والروايات.
وهنا تظهر قيمة المسؤول السابق تحديداً. عندما يتحدث وزير خارجية سابق إلى وسيلة إعلام دولية، فإن خبرته تمنح حديثه وزناً مختلفاً. وعندما يشرح مسؤول اقتصادي سابق قدرة الأردن على التعامل مع أزمة ما، فإنه يقدم للرأي العام معرفة متراكمة. وعندما يدافع مسؤول سابق عن مصالح المملكة أمام جمهور خارجي، فهو لا يحتاج إلى تكليف حكومي كي يفعل ذلك؛ فالدفاع عن الوطن ليس وظيفة تنتهي بانتهاء الخدمة.
بل ربما تكون قيمة المسؤول السابق أكبر أحياناً لأنه يتحدث من دون عبء الموقع التنفيذي. يستطيع أن يشرح أكثر، وأن يقدم سياقاً تاريخياً، وأن يرد على رواية خاطئة، وأن يستخدم شبكة العلاقات التي بناها خلال سنوات عمله. وهذه كلها أدوات قوة ناعمة تستطيع الدولة الاستفادة منها من دون أن يتحول أصحابها إلى ناطقين رسميين.
لكن القضية لا تتعلق بالخارج وحده. المواطن نفسه يحتاج في الأوقات الصعبة إلى سماع أصوات تمتلك خبرة وذاكرة. فعندما تنتشر الشائعات أو تتضخم المخاوف، لا يكفي أن تترك الساحة لمن يتحدث بلا معرفة. وجود شخصيات خدمت الدولة وتعرف تفاصيلها يمكن أن يساعد في رفع مستوى النقاش العام، بشرط أن يكون الحديث مبنياً على المعرفة والمسؤولية لا على المزايدة أو تصفية الحسابات.
وهنا يجب التفريق بين الولاء للحكومة والولاء للدولة. الحكومة تتغير، والوزير يغادر، والسياسات يمكن أن تنتقد، لكن الدولة تبقى. والمسؤول السابق ليس مطالباً بأن يصفق لكل قرار حكومي حتى يثبت انتماءه، بل يمكنه أن ينتقد ويقترح ويختلف، وفي الوقت نفسه يقف بوضوح عندما يتعلق الأمر بمصلحة الأردن وأمنه وسيادته.
بل إن النقد المسؤول نفسه قد يكون خدمة للوطن. الدولة القوية لا تحتاج إلى أصوات متطابقة، وإنما إلى شخصيات تعرف متى تختلف في الداخل ومتى يكون الخلاف السياسي مختلفاً عن الدفاع عن المصالح الوطنية. المسؤول السابق الذي يقدم فكرة أو يحذر من خطأ أو يقترح حلاً يؤدي دوراً أكثر قيمة من مسؤول يختار الصمت الكامل حتى تأتي مناسبة اجتماعية أو إعلامية تعيده إلى المشهد.
والمشكلة تصبح أكبر عندما يتحول المنصب في ذهن البعض إلى مصدر للوجاهة أكثر من كونه تكليفاً عاماً. فإذا كانت المسؤولية تمنح صاحبها حضوراً عندما تكون الكاميرا موجودة فقط، فإننا نكون أمام فهم ناقص للخدمة العامة. المسؤولية الحقيقية تظهر أيضاً عندما لا يوجد مكتب ولا لقب تنفيذي ولا امتيازات، ويبقى السؤال الوحيد: ماذا تستطيع أن تقدم لبلدك بما راكمته من خبرة؟
الأردن أنفق سنوات طويلة في بناء خبرات رجاله ونسائه داخل مؤسسات الدولة. هؤلاء شاركوا في مفاوضات، وأداروا أزمات، وتعاملوا مع مؤسسات دولية، وعرفوا تفاصيل قطاعات حساسة. من غير المنطقي أن تتحول هذه الخبرة بعد التقاعد أو مغادرة الموقع إلى أرشيف شخصي. الدول الذكية تعرف كيف تبقي خبراتها السابقة جزءاً من قوتها الوطنية.
وربما نحتاج إلى إطار أوسع للاستفادة من هذه الطاقات، من خلال مراكز التفكير والجامعات والمجالس الاستشارية والمنتديات المتخصصة والدبلوماسية العامة. ليس المطلوب إعادة المسؤول السابق إلى الوظيفة، بل إبقاء معرفته داخل الدورة الوطنية. فهناك فارق بين تدوير الأشخاص في المناصب وتدوير الخبرة في خدمة الدولة؛ الأول قد يصبح مشكلة، أما الثاني فهو ضرورة.
وفي زمن المنصات الرقمية، أصبحت الحاجة أكبر. الرواية الخاطئة قد تصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات، بينما يوجد لدينا دبلوماسيون ووزراء وأكاديميون وعسكريون سابقون يمتلكون القدرة على مخاطبة الرأي العام بلغات مختلفة وفهم عميق للملفات. لماذا تترك هذه المساحات أحياناً لمن يعرف أقل بينما يصمت من يعرف أكثر؟
ولا ينبغي أن يكون المطلوب خطاباً إنشائياً. الأردن لا يحتاج في الأزمات إلى مزيد من العبارات المحفوظة. يحتاج إلى خبرة تتحدث بلغة العقل، تشرح لماذا اتخذ موقفاً معيناً، وما المصالح التي يحميها، وما المخاطر التي يتجنبها، وكيف تعاملت الدولة تاريخياً مع أزمات مشابهة. هنا يصبح المسؤول السابق مصدراً للمعرفة لا مجرد اسم في أرشيف الحكومات.
وفي المقابل، على المسؤول الذي يغادر موقعه أن يتذكر أن المجتمع لم يمنحه المكانة العامة بسبب شخصه وحده، وإنما بسبب الموقع الذي حمله باسم الدولة. ولذلك يبقى عليه دين معنوي تجاه هذه الدولة: أن يضع ما تعلمه في خدمتها عندما تحتاج إليه، حتى لو لم يعد يحمل لقباً رسمياً.
الأوطان لا تحتاج أبناءها في الاحتفالات فقط. تحتاجهم أكثر عندما تضيق الخيارات وتشتد الضغوط ويعلو الضجيج. وفي تلك اللحظات تظهر قيمة الشخصيات العامة، لأن الوقوف مع الوطن عندما تكون الأمور سهلة لا يحتاج إلى شجاعة كبيرة، بينما الاختبار الحقيقي يأتي عندما تكون الكلمة مكلفة أو الموقف بحاجة إلى وضوح.
ليس المطلوب من المسؤولين السابقين الدفاع عن الأشخاص، ولا عن حكومة بعينها، ولا تبرير كل قرار. المطلوب أن تبقى لديهم البوصلة واضحة: يمكن أن نختلف مع الحكومة، لكننا لا نغيب عندما يحتاج الأردن إلى خبرتنا وصوتنا وعلاقاتنا.
فالموقع العام ليس موسماً ينتهي بانتهاء التكليف، والخدمة العامة ليست صورة تذكارية تعلق على جدار السيرة الذاتية. ومن دخل تاريخ الدولة من باب المسؤولية، يفترض أن يبقى حاضراً في خدمة الدولة حتى بعد أن يغادر باب المكتب.
وقد يكون من حق الأردني اليوم أن ينظر إلى بعض الأسماء التي ملأت الشاشات يوماً ويسأل أين أصبحت خبراتها عندما احتاج البلد إليها. ليس طلباً لإعادة أحد إلى منصبه، وإنما تذكيراً بأن الامتياز الأكبر الذي يمنحه المنصب لصاحبه ليس اللقب، بل فرصة خدمة وطنه.
فالأردن لا يحتاج مسؤوليه السابقين عندما تكون القاعات مضاءة والكاميرات حاضرة فقط؛ يحتاج خبرتهم أكثر عندما يشتد لهيب الإقليم، وتتزاحم الروايات، ويصبح الدفاع عن الدولة ومصالحها عملاً لا ينتظر كتاب تكليف.
المناصب تنتهي.. أما مسؤولية الوقوف مع الوطن فلا يفترض أن يكون لها تاريخ تقاعد.












































