اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٣ نيسان ٢٠٢٦
المهدي المنتظر والواقع
منى الغبين
في كل مرة تتصاعد فيها حدة التوتر في الشرق الأوسط..لا تظهر التحليلات السياسية بقدر ما تظهر السرديات الغيبية..
ومصطلحات مثل..الهيكل والبقرة الحمراء وهرمجدون والمهدي المنتظر… لا تظهر بوصفها معتقدات دينية.. بل كمبررات وتفسيرات جاهزة لما يحدث!..
الغريب ليس في وجود هذه السرديات.. بل انتشارها السريع وحجم التفاعل معها…
محتوى على مواقع التواصل الإجتماعي يتحدث عن قرب النهاية أو المعركة الكبرى.. يحقق انتشارا واسعا خلال وقت قصير.. بينما يتراجع الاهتمام بالقراءة التحليلية الهادئة التي تحاول تفكيك الواقع بشكل منطقي وعقلاني…
ما يجري في المنطقة اليوم لا يمكن اختزاله في تنبؤات..
نحن أمام شبكة معقدة من الصراعات ..صراع نفوذ بين قوى إقليمية ودولية ..حروب عسكرية محسوبة.. وإعادة تشكيل لموازين القوة…
هذه المعطيات تقرأ في علم السياسة من خلال أدوات واضحة..المصلحة والردع.. التوازن وتكلفة القرار…
لكن في المقابل يختصرها البعض في معتقدات ..هذه حرب تمهيدية…هذه علامات النهاية…
هذا سيناريو مكتوب!!.
يستبدل التحليل بالتأويل…
لا يمكن إنكار أن الدين يستخدم في المجال السياسي…
مثلا في الغرب ..هناك تيارات دينية تربط دعمها السياسي برؤى نبوئية تتعلق بنهاية العالم،، وتمنح مشاريع سياسية بعدا عقديا…
وفي العالم العربي والإسلامي،، يظهر اتجاه مواز يربط الفوضى بظهور المخلص،، ويقرأ الأحداث بوصفها مقدمات حتمية لنهاية كبرى…
السياسة.. لا تبنى على الغيب،، بل على حسابات ومصالح …المشكلة حين تتحول هذه السرديات إلى بديل عن التفكير..فيتخلى الإنسان عن فهم الواقع،، ويستبدله بالتصديق والانتظار..
اللافت أن هذا النمط يتكرر في بيئات مختلفة.. ربط الحاضر بنصوص قديمة ومنحه تفسيرا غيبيا جاهزا…
والنتيجة واحدة.. اختزال واقع معقد في سردية بسيطة ومغلقة
فيصبح من السهل تمرير أفكار من قبيل..العالم يدار وفق خطة خفية..أو هناك سيناريو مكتوب منذ قرون…
ورغم أن السياسة لا تخلو فعلا من التخطيط والمصالح الخفية إلا أن تحويل كل حدث إلى جزء من نص مسبق يلغي الحاجة إلى التحليل…
فالفرق كبير بين الشك المنهجي وبين اليقين غير القابل للنقاش..
تاريخيا لم يبن الوعي السياسي أو الديني على انتظار الغيب..بل على فهم السنن ..علاقة السبب بالنتيجة والفعل بالمصير…
ما يزيد من تعقيد المشهد هو حضور خطاب ديني غير منضبط في بعض الأحيان..
يخلط بين الموثوق والمشكوك فيه.. فيشوش العقل ويبعد قراءة الواقع عن منهجها الصحيح…
وفي هذا السياق يظهر دور بعض من يمتهنون الدين كوسيلة ربحية…
هؤلاء الفقهاء أو الدعاة غير النزيهين يعتمدون على اللعب على المشاعر الإنسانية،، مستهدفين عقل المسلم وفطرته السليمة،، فيسوقون له الأكاذيب على أنها حقائق!.
يحللون المحرم ويحرمون المحلل..
ويصدقون بعض الأحاديث الملفقة المنسوبة إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. فيخلقون سرديات مزيفة تغري بالتصديق السريع.. وتختصر التفكير النقدي… هدفهم لا يرتبط بالعلم أو الدين،، بل بالمكاسب الشخصية أو السياسية وغالبا ما يعملون لصالح أجندات خارجية أو مصالح خفية،، لتوجيه الجماهير وفق ما يخدم مصالح هؤلاء وليس مصلحة الأمة أو فهمها الصحيح للدين والواقع…
في هذه الحالة.. يفقد الدين دوره في تحفيز الفهم والعقل ويتحول إلى مبرر للانتظار..
هل هناك مؤامرات أو مصالح خفية!!!!؟
الإجابة..نعم…
لكن السؤال الأهم..
كيف نقرأ ما يحدث!!!؟
هل نقرأه كواقع مركب يمكن فهمه وتحليله!!؟
أم كنص مغلق لا دور لنا فيه سوى الانتظار!!؟
الخطورة لا تكمن في الإيمان بالغيب،,فهو ركن من العقيدة..
بل في تحويله إلى أداة لتعطيل التفكير…
حين يختصر وعي خير أمة أخرجت للناس ،،أمة كاملة في فكرة انتظر..
يتحول الإنسان من صانع للتاريخ إلى متفرج عليه…
في المحصلة لا يمكن تفسير ما يحدث اليوم من خلال سردية واحدة..ولا اختزاله في نبوءة
ولا ربطه بحدث غيبي مؤجل…
ما يحدث هو نتاج قرارات بشرية،،
تتحرك ضمن شبكة مصالح معقدة،،
في النهاية.. الإيمان بالغيب لا يعني الانتظار السلبي،، بل دعوة للعمل والوعي وكما جاء في القرآن الكريم ..والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون..
الإيمان لا يختزل في انتظار ما سيأتي.. بل في القدرة على فهم ما يحدث وصناعة ما يمكن أن يكون…
فالأمم التي تكتفي بالترقب تبقى على هامش التاريخ.. أما التي تجمع بين الإيمان والعمل فهي وحدها القادرة على أن تصنعه…












































