اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
لَمْ يَعُدِ الْإِرْهَابُ فِي صُورَتِهِ الْمُعَاصِرَةِ مُجَرَّدَ عُنْفٍ يَضْرِبُ مَكَانًا، أَوْ عَمَلِيَّةٍ إِجْرَامِيَّةٍ تَسْتَهْدِفُ أَرْوَاحَ الْأَبْرِيَاءِ؛ بَلْ أَصْبَحَ ظَاهِرَةً مُتَحَوِّلَةً تَتَغَيَّرُ أَدَوَاتُهَا، وَتَتَشَابَكُ مَسَارَاتُهَا، وَتَتَسِعُ مَسَاحَاتُ تَأْثِيرِهَا، حَتَّى لَمْ تَعُدْ خُطُورَتُهَا مَحْصُورَةً فِي الْخَسَائِرِ الْمَادِّيَّةِ وَالْبَشَرِيَّةِ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى إِرْبَاكِ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَزَعْزَعَةِ الثِّقَةِ بِالْمُؤَسَّسَاتِ، وَتَفْكِيكِ الرَّوَابِطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَزَرْعِ الْخَوْفِ فِي الْوَعْيِ الْجَمْعِيِّ.
وَإِذَا كَانَ الْإِرْهَابُ فِي مَرَاحِلَ سَابِقَةٍ يَعْتَمِدُ، فِي كَثِيرٍ مِنْ صُوَرِهِ، عَلَى تَنْظِيمَاتٍ هَرَمِيَّةٍ وَقِيَادَاتٍ مَعْرُوفَةٍ وَشَبَكَاتِ تَوَاصُلٍ مَحْدُودَةٍ، فَإِنَّ تَحَوُّلَاتِ الْبِيئَةِ الدُّوَلِيَّةِ وَالتِّقْنِيَّةِ أَفْرَزَتْ أَنْماطًا أَكْثَرَ لَامَرْكَزِيَّةً وَمَرُونَةً، تَتَحَرَّكُ أَحْيَانًا عَبْرَ شَبَكَاتٍ عَابِرَةٍ لِلْحُدُودِ، وَتَعْتَمِدُ أَحْيَانًا أُخْرَى عَلَى أَفْرَادٍ أَوْ مَجْمُوعَاتٍ صَغِيرَةٍ تَتَأَثَّرُ بِخِطَابَاتٍ وَمَضَامِين مُتَطَرِّفَةٍ دُونَ ارْتِبَاطٍ تَنْظِيمِيٍّ مُبَاشِرٍ بِهَيْكَلٍ وَاحِدٍ.
إِنَّهُ تَحَوُّلٌ يَضَعُ الْعَالَمَ أَمَامَ حَقِيقَةٍ أَمْنِيَّةٍ جَدِيدَةٍ: لَمْ يَعُدِ الْإِرْهَابُ يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى أَنْ يَمْتَلِكَ مَكَانًا لِيُؤَثِّرَ، بَلْ قَدْ يَكْفِيهِ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى مَسَاحَةٍ مِنَ الْوَعْيِ، أَوْ يَسْتَغِلَّ ثَغْرَةً فِي الْمُجْتَمَعِ، أَوْ يُحَوِّلَ الْفَضَاءَ الرَّقْمِيَّ إِلَى مَمَرٍّ لِلتَّأْثِيرِ وَالتَّجْنِيدِ وَالْتَّضْلِيلِ. مِنَ الْعُنْفِ الْمُبَاشِرِ إِلَى هَنْدَسَةِ الْخَوْفِ: لَا تَكْمُنُ خُطُورَةُ الْإِرْهَابِ فِي الْعُنْفِ الَّذِي يُمَارِسُهُ فَحَسْبُ، بَلْ فِي الْأَثَرِ الَّذِي يَسْعَى إِلَى تَرْكِهِ خَلْفَهُ.
فَالْعَمَلُ الْإِرْهَابِيُّ يَسْتَهْدِفُ، إِلَى جَانِبِ ضَحَايَاهِ الْمُبَاشِرِينَ، إِنْتَاجَ شُعُورٍ عَامٍّ بِالْهَشَاشَةِ وَعَدَمِ الْيَقِينِ، وَإِقْنَاعَ النَّاسِ بِأَنَّ الْحَيَاةَ الْعَادِيَّةَ قَدْ تُصْبِحُ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ مُهَدَّدَةً. وَمِنْ هُنَا يَتَحَوَّلُ الْخَوْفُ إِلَى وَسِيلَةِ تَأْثِيرٍ؛ فَتَتَجَاوَزُ آثَارُ الْعَمَلِ الْإِرْهَابِيِّ مَكَانَ وُقُوعِهِ، لِتَمْتَدَّ إِلَى الِاسْتِثْمَارِ وَالسِّيَاحَةِ وَالْخَدَمَاتِ وَالْعَلَاقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَحَتَّى إِلَى طَرِيقَةِ تَفْكِيرِ الْمُجْتَمَعِ فِي أَمْنِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ.
وَقَدْ يَنْجَحُ الْإِرْهَابُ، فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، فِي إِحْدَاثِ انْقِسَامَاتٍ تَفُوقُ فِي أَثَرِهَا الْمُبَاشِرَ حَجْمَ الْهَجْمَةِ نَفْسِهَا. وَهُنَا يَكْمُنُ وَجْهٌ آخَرُ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ: أَلَّا نَسْمَحَ لِلْإِرْهَابِ بِأَنْ يَفْرِضَ عَلَى الْمُجْتَمَعِ سُلُوكَهُ، أَوْ يَدْفَعَهُ إِلَى تَفْكِيكِ نَسِيجِهِ، أَوْ يُحَوِّلَ الْخَوْفَ إِلَى شَكٍّ مُتَبَادَلٍ بَيْنَ أَبْنَائِهِ. فَالِاسْتِقْرَارُ لَا يَتَحَقَّقُ بِمَنْعِ الْهَجَمَاتِ وَحْدَهُ، بَلْ أَيْضًا بِحِمَايَةِ الْمُجْتَمَعِ مِنْ أَنْ يُصْبِحَ ضَحِيَّةً لِأَهْدَافِهَا النَّفْسِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ. الْفَضَاءُ الرَّقْمِيُّ... جَبْهَةٌ لَا تَعْرِفُ الْحُدُودَ: لَعَلَّ أَبْرَزَ مَا يُمَيِّزُ الْمَشْهَدَ الْإِرْهَابِيَّ الْحَدِيثَ هُوَ اتِّسَاعُ تَوْظِيفِ التِّقْنِيَةِ فِي خِدْمَةِ أَهْدَافِهِ. فَلَمْ تَعُدِ الْمِنَصَّاتُ الرَّقْمِيَّةُ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِنَشْرِ الْبَيَانَاتِ وَالدِّعَايَةِ، بَلْ أَصْبَحَتْ بِيئَةً مُتَشَابِكَةً قَدْ تُسْتَغَلُّ فِي التَّجْنِيدِ، وَنَشْرِ السَّرْدِيَّاتِ الْمُتَطَرِّفَةِ، وَجَمْعِ الْأَمْوَالِ، وَتَوْسِيعِ دَوَائِرِ التَّأْثِيرِ، وَتَسْهِيلِ بَعْضِ أَشْكَالِ التَّنْسِيقِ وَالتَّخْطِيطِ.
وَتَزْدَادُ هَذِهِ الصُّورَةُ تَعْقِيدًا مَعَ التَّطَوُّرِ الْمُتَسَارِعِ لِلذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ؛ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَغَلَّ بَعْضُ أَدَوَاتِهِ فِي إِنْتَاجِ مُحْتَوًى مُضَلِّلٍ، وَتَصْمِيمِ رِسَائِلَ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى اسْتِهْدَافِ الْفِئَاتِ، وَتَوْسِيعِ الْوُصُولِ إِلَى جُمْهُورٍ مُتَنَوِّعٍ لُغَوِيًّا وَثَقَافِيًّا. كَمَا تُثِيرُ تِقْنِيَاتُ التَّزْيِيفِ الْعَمِيقِ تَحَدِّيًا إِضَافِيًّا؛ لِمَا قَدْ تُسَبِّبُهُ مِنِ الْتِبَاسٍ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمُحْتَوَى الْمُصْطَنَعِ، وَمِنْ إِضْعَافٍ لِثِقَةِ النَّاسِ بِمَصَادِرِ الْمَعْلُومَاتِ.
وَقَدْ أَشَارَتْ تَقَارِيرُ حَدِيثَةٌ لِلْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ إِلَى تَحَوُّلِ الدِّعَايَةِ الْإِرْهَابِيَّةِ مِنْ مُجَرَّدِ رِسَالَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ إِلَى بِنْيَةٍ تَشْغِيلِيَّةٍ تَرْتَبِطُ بِالتَّجْنِيدِ وَالتَّمْوِيلِ وَالتَّخْطِيطِ وَالتَّأْثِيرِ فِي الْبِيئَةِ الْمُحِيطَةِ. وَهَذَا تَحَوُّلٌ جَوْهَرِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ مُوَاجَهَةَ الدِّعَايَةِ مَسْأَلَةً تَتَجَاوَزُ حَذْفَ الْمُحْتَوَى، إِلَى فَهْمِ الشَّبَكَةِ الَّتِي تَسْتَخْدِمُهُ وَالْوَظَائِفِ الَّتِي يُؤَدِّيهَا. وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ التِّقْنِيَةَ تَصْنَعُ الْإِرْهَابَ بِذَاتِهَا، أَوْ أَنَّ كُلَّ تَطَوُّرٍ رَقْمِيٍّ يَحْمِلُ تَهْدِيدًا؛ فَهِيَ فِي الْأَصْلِ أَدَوَاتٌ يُمْكِنُ أَنْ تَخْدُمَ الْمَعْرِفَةَ وَالْأَمْنَ وَالتَّنْمِيَةَ، لَكِنَّ التَّحَدِّيَ يَكْمُنُ فِي تَحَوُّلِهَا إِلَى وَسَائِلَ لِلِاسْتِغْلَالِ وَالتَّحْرِيضِ وَالتَّضْلِيلِ.
لَمْ تَعُدِ التَّهْدِيدَاتُ مُنْفَصِلَةً عَنْ سِيَاقَاتِ الصِّرَاعِ وَالْهَشَاشَةِ: لَا يَنْشَأُ الْإِرْهَابُ فِي فَرَاغٍ، وَلَا تَتَوَسَّعُ شَبَكَاتُهُ بِالْقُدْرَةِ التَّنْظِيمِيَّةِ وَحْدَهَا؛ فَهُوَ يَسْتَفِيدُ، فِي بَعْضِ الْبِيئَاتِ، مِنَ النِّزَاعَاتِ الْمُسَلَّحَةِ، وَضَعْفِ الْمُؤَسَّسَاتِ، وَالْفَرَاغَاتِ الْأَمْنِيَّةِ، وَانْهِيَارِ الْخَدَمَاتِ، وَانْتِشَارِ الْفَسَادِ، وَتَرَاكُمِ مَظَاهِرِ الْإِقْصَاءِ وَالظُّلْمِ.
وَعِنْدَمَا تَفْقِدُ بَعْضُ الْمُجْتَمَعَاتِ ثِقَتَهَا بِالْمُؤَسَّسَاتِ، أَوْ تَتَرَاجَعُ فِيهَا فُرَصُ الْعَمَلِ وَالْمُشَارَكَةِ وَالْإِنْصَافِ، تَجِدُ الْجَمَاعَاتُ الْمُتَطَرِّفَةُ مَسَاحَاتٍ لِاسْتِغْلَالِ الْمَظَالِمِ وَإِعَادَةِ تَوْظِيفِهَا فِي خِطَابَاتِهَا. غَيْرَ أَنَّ الدِّقَّةَ الْعِلْمِيَّةَ تَقْتَضِي أَلَّا نُحَوِّلَ هَذِهِ الْعَوَامِلَ إِلَى تَفْسِيرٍ حَتْمِيٍّ؛ فَلَيْسَ كُلُّ فَقْرٍ يُنْتِجُ إِرْهَابًا، وَلَا كُلُّ نِزَاعٍ يُفْضِي إِلَى التَّطَرُّفِ، وَلَا كُلُّ مَنْ يَشْعُرُ بِالظُّلْمِ يَنْخَرِطُ فِي الْعُنْفِ. إِنَّ الْخَطَرَ يَنْشَأُ مِنْ تَفَاعُلِ عَوَامِلَ مُتَعَدِّدَةٍ: فَرْدِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ، وَاجْتِمَاعِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ، وَفِكْرِيَّةٍ وَتَنْظِيمِيَّةٍ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ التَّعَامُلَ مَعَ الظَّاهِرَةِ يَحْتَاجُ إِلَى فَهْمِ السِّيَاقِ الْمَحَلِّيِّ، لَا إِلَى فَرْضِ وَصْفَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى جَمِيعِ الْمُجْتَمَعَاتِ.
وَتُظْهِرُ تَقْيِيمَاتُ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ لِتَهْدِيدِ تَنْظِيمِ دَاعِشَ وَفُرُوعِهِ أَنَّ اسْتِمْرَارَ الْخَطَرِ يَرْتَبِطُ بِقُدْرَةِ هَذِهِ الْفُرُوعِ عَلَى التَّكَيُّفِ، وَاسْتِغْلَالِ بِيئَاتِ الصِّرَاعِ وَالْهَشَاشَةِ، وَتَوْظِيفِ تِقْنِيَاتٍ مُتَجَدِّدَةٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَوْزَانُ وَالْأَشْكَالُ تَخْتَلِفُ مِنْ مِنْطَقَةٍ إِلَى أُخْرَى. وَهُوَ مَا يَجْعَلُ مُوَاجَهَةَ الْخَطَرِ مَرْهُونَةً بِفَهْمِ خَرِيطَةِ تَحَوُّلَاتِهِ، لَا بِمُجَرَّدِ تَكْرَارِ أَدَوَاتِ الْمُوَاجَهَةِ ذَاتِهَا. لِمَاذَا لَا تَكْفِي الْمُوَاجَهَةُ الْأَمْنِيَّةُ وَحْدَهَا؟ إِنَّ الْمُؤَسَّسَاتِ الْأَمْنِيَّةَ وَالْقُضَائِيَّةَ تَضْطَلِعُ بِدَوْرٍ جَوْهَرِيٍّ فِي حِمَايَةِ الْمُجْتَمَعِ، وَمَنْعِ الْهَجَمَاتِ، وَتَفْكِيكِ الشَّبَكَاتِ الْإِجْرَامِيَّةِ، وَمُلَاحَقَةِ الْمُتَوَرِّطِينَ وَتَجْفِيفِ مَصَادِرِ التَّمْوِيلِ. وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيلُ مِنْ أَهَمِّيَّةِ هَذَا الْجَانِبِ؛ فَحِمَايَةُ الْأَرْوَاحِ وَحِفْظُ الْأَمْنِ وَإِنْفَاذُ الْقَانُونِ وَاجِبٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّهَاوُنَ.
لَكِنَّ الْمُعَضِلَةَ أَنَّ الْإِرْهَابَ لَا يَعِيشُ فَقَطْ فِي الْخَلَايَا وَالتَّنْظِيمَاتِ؛ إِنَّهُ قَدْ يَجِدُ مَصَادِرَ تَجَدُّدِهِ فِي خِطَابٍ يُعِيدُ إِنْتَاجَ الْكَرَاهِيَةِ، وَفِي بِيئَةٍ تُغْلِقُ أَبْوَابَ الْأَمَلِ، وَفِي نِزَاعٍ يَبْقَى دُونَ حَلٍّ، وَفِي فَجْوَةٍ بَيْنَ النَّاسِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ. وَقَدْ تَنْجَحُ الْمُعَالَجَةُ الْأَمْنِيَّةُ فِي إِحْبَاطِ خَطَرٍ مُبَاشِرٍ، لَكِنَّهَا لَا تَكُونُ كَافِيَةً وَحْدَهَا إِذَا بَقِيَتِ الْبِيئَةُ الْمُسَاعِدَةُ عَلَى إِنْتَاجِ خَطَرٍ جَدِيدٍ. مِنْ هُنَا تَظْهَرُ ضَرُورَةُ الِانْتِقَالِ مِنْ مُعَادَلَةِ «مَنْعِ الْهَجَمَاتِ» إِلَى مُعَادَلَةِ «مَنْعِ تَجَدُّدِ الْإِرْهَابِ». وَهِيَ مُعَادَلَةٌ أَشْمَلُ، تَضَعُ الْوِقَايَةَ فِي مُقَدِّمَةِ الْأَوْلَوِيَّاتِ، وَتَرْبِطُ الْأَمْنَ بِالْعَدَالَةِ، وَتَجْعَلُ التَّعْلِيمَ وَالتَّمْكِينَ وَالْمُشَارَكَةَ الْمُجْتَمَعِيَّةَ جُزْءًا مِنْ مَنْظُومَةِ الْحِمَايَةِ. مُوَاجَهَةٌ مُتَعَدِّدَةُ الْمَسَارَاتِ: إِنَّ مُوَاجَهَةَ الْإِرْهَابِ فِي مَرْحَلَةِ تَحَوُّلَاتِهِ تَسْتَدْعِي مَنْظُومَةً مُتَكَامِلَةً لَا تَفْصِلُ بَيْنَ الْأَمْنِ وَالتَّنْمِيَةِ، وَلَا بَيْنَ الْقَانُونِ وَحُقُوقِ الْإِنْسَانِ، وَلَا بَيْنَ الْمُؤَسَّسَاتِ وَالْمُجْتَمَعِ.
أَوَّلًا، يَجِبُ تَعْزِيزُ الْقُدْرَةِ الِاسْتِبَاقِيَّةِ لِلْمُؤَسَّسَاتِ، مِنْ خِلَالِ تَحْلِيلِ الْمَخَاطِرِ، وَتَطْوِيرِ الْقُدْرَاتِ الرَّقْمِيَّةِ، وَرَصْدِ التَّحَوُّلَاتِ دُونَ تَوَسُّعٍ غَيْرِ مُبَرَّرٍ فِي الْمُرَاقَبَةِ أَوِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ. فَالْأَمْنُ الْحَدِيثُ لَا يَكْتَفِي بِالِاسْتِجَابَةِ لِلْحَدَثِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى فَهْمِ الْمُؤَشِّرَاتِ وَتَقْدِيرِ الْمَخَاطِرِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلسِّيْنَارْيُوهَاتِ الْمُحْتَمَلَةِ.
ثَانِيًا، لَا بُدَّ مِنْ تَحْصِينِ الْمُجْتَمَعِ مَعْرِفِيًّا وَتَرْبَوِيًّا، بِتَرْسِيخِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَتَنْشِئَةِ أَجْيَالٍ تُحْسِنُ التَّحَقُّقَ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ، وَتَمْيِيزَ الْحَقِيقَةِ مِنَ الدِّعَايَةِ، وَفَهْمَ الِاخْتِلَافِ بِوَصْفِهِ جُزْءًا مِنْ طَبِيعَةِ الْمُجْتَمَعِ، لَا سَبَبًا لِلْعَدَاءِ. وَهُنَا تَبْرُزُ مَسْؤُولِيَّةُ الْمَدْرَسَةِ وَالْجَامِعَةِ وَالْإِعْلَامِ وَالْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ مَنَاعَةٍ فِكْرِيَّةٍ تَسْبِقُ الْخَطَرَ وَلَا تَكْتَفِي بِمُعَالَجَةِ نَتَائِجِهِ.
ثَالِثًا، يَنْبَغِي تَطْوِيرُ سِيَاسَاتٍ مُتَخَصِّصَةٍ لِمُوَاجَهَةِ التَّجْنِيدِ الرَّقْمِيِّ وَالْخِطَابَاتِ الْمُحَرِّضَةِ، بِالشَّرَاكَةِ مَعَ الْمِنَصَّاتِ التِّقْنِيَّةِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ الْبَحْثِيَّةِ وَمُنَظَّمَاتِ الْمُجْتَمَعِ الْمَدَنِيِّ. وَلَا يَكْفِي حَذْفُ الْمُحْتَوَى الْمُتَطَرِّفِ إِذَا بَقِيَتِ الْبِيئَةُ الَّتِي تُنْتِجُهُ وَتُعِيدُ نَشْرَهُ؛ بَلْ يَجِبُ أَنْ تَقْتَرِنَ الْمُعَالَجَةُ بِبَدَائِلَ رَقْمِيَّةٍ تَعْزِزُ الْمَعْرِفَةَ وَالِانْتِمَاءَ وَالْحِوَارَ.
رَابِعًا، تَحْتَاجُ الْمُجْتَمَعَاتُ إِلَى بَرَامِجَ جَادَّةٍ لِلْإِعَادَةِ إِلَى الْمُجْتَمَعِ وَالْإِصْلَاحِ وَإِعَادَةِ التَّأْهِيلِ، تَأْخُذُ فِي الِاعْتِبَارِ الْفُرُوقَ بَيْنَ الْحَالَاتِ، وَتُقَيِّمُ الْمَخَاطِرَ وَالِاحْتِيَاجَاتِ بِمَنْهَجِيَّةٍ مِهْنِيَّةٍ، وَتُشْرِكُ الْأُسَرَ وَالْمُجْتَمَعَاتِ الْمَحَلِّيَّةَ عِنْدَ الِاقْتِضَاءِ. فَالْغَايَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِنْهَاءِ الِارْتِبَاطِ بِجَمَاعَةٍ مُتَطَرِّفَةٍ، بَلْ مُسَاعَدَةُ الْفَرْدِ عَلَى اسْتِعَادَةِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَيَاةِ وَالْمُشَارَكَةِ الْمَسْؤُولَةِ.
خَامِسًا، يَبْقَى التَّعَاوُنُ الدُّوَلِيُّ ضَرُورَةً لَا خِيَارًا تَكْمِيلِيًّا؛ لِأَنَّ الْمَخَاطِرَ عَابِرَةٌ لِلْحُدُودِ، وَالْتَمْوِيلَ وَالْمُحْتَوَى الرَّقْمِيَّ وَالشَّبَكَاتِ الْإِجْرَامِيَّةَ قَدْ تَتَحَرَّكُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ دَوْلَةٍ. وَهَذَا يَتَطَلَّبُ تَبَادُلًا لِلْمَعْلُومَاتِ، وَتَعَاوُنًا قَضَائِيًّا وَمَالِيًّا، وَتَنْسِيقًا فِي حِمَايَةِ الْحُدُودِ وَالْبِنَى التَّحْتِيَّةِ الْحَيَوِيَّةِ، مَعَ الِالْتِزَامِ بِالْقَانُونِ الدُّوَلِيِّ وَضَمَانَاتِ الْمُحَاكَمَةِ الْعَادِلَةِ. الْعَدَالَةُ وَسِيَادَةُ الْقَانُونِ... خَطُّ الدِّفَاعِ الْأَعْمَقُ: وَمِنَ الْأَخْطَاءِ الَّتِي قَدْ تُضْعِفُ مُوَاجَهَةَ الْإِرْهَابِ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْخَوْفُ مِنْهُ إِلَى مُبَرِّرٍ لِلتَّعَسُّفِ، أَوْ أَنْ تُسْتَخْدَمَ مُكَافَحَتُهُ لِتَقْيِيدِ الْحُرِّيَّاتِ الْمَشْرُوعَةِ، أَوْ لِوَصْمِ فِئَاتٍ مِنَ الْمُجْتَمَعِ بِالِاشْتِبَاهِ الْجَمَاعِيِّ.
فَإِنْفَاذُ الْقَانُونِ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى مَبْنِيًّا عَلَى الْأَدِلَّةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ الْفَرْدِيَّةِ وَالْإِجْرَاءَاتِ الْعَادِلَةِ، لَا عَلَى الْهُوِيَّةِ أَوِ الِانْتِمَاءِ أَوِ الِاشْتِبَاهِ الْمُعَمَّمِ. فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي يَحْمِي كَرَامَةَ أَفْرَادِهِ، وَيُرَسِّخُ الْعَدَالَةَ، وَيَفْتَحُ مَسَاحَاتِ الْمُشَارَكَةِ، يَمْتَلِكُ مَنَاعَةً أَقْوَى فِي وَجْهِ الْخِطَابَاتِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الْإِقْصَاءِ وَالِانْقِسَامِ.
فَالْعَدَالَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِيمَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ تُضَافُ إِلَى السِّيَاسَاتِ الْأَمْنِيَّةِ، بَلْ عُنْصُرٌ أَسَاسِيٌّ فِي مَنْعِ تَجَدُّدِ أَسْبَابِ الْعُنْفِ وَتَعْزِيزِ الثِّقَةِ بَيْنَ الْمُوَاطِنِ وَمُؤَسَّسَاتِ دَوْلَتِهِ. الْمُوَاجَهَةُ الْحَقِيقِيَّةُ... أَنْ نَسْبِقَ التَّهْدِيدَ: إِنَّ التَّحَوُّلَ الْأَكْبَرَ الَّذِي تَحْتَاجُهُ مُوَاجَهَةُ الْإِرْهَابِ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ إِدَارَةِ الْخَطَرِ بَعْدَ ظُهُورِهِ إِلَى بِنَاءِ الْقُدْرَةِ عَلَى مُنْعِ تَجَدُّدِهِ؛ وَمِنَ الِانْشِغَالِ بِعَدَدِ الْعَمَلِيَّاتِ الْمُحْبَطَةِ إِلَى قِيَاسِ مَدَى انْخِفَاضِ الْقَابِلِيَّةِ لِلتَّجْنِيدِ وَالتَّحْرِيضِ؛ وَمِنْ مُجَرَّدِ مُعَالَجَةِ النَّتَائِجِ إِلَى فَهْمِ الْبِيئَاتِ الَّتِي تَسْمَحُ بِإِنْتَاجِهَا.
وَلَا يَسْتَطِيعُ جِهَازٌ وَاحِدٌ، مَهْمَا بَلَغَتْ قُدْرَاتُهُ، أَنْ يَحْمِلَ هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةَ مُنْفَرِدًا؛ فَالدَّوْلَةُ بِمُؤَسَّسَاتِهَا، وَالْمَدْرَسَةُ بِرِسَالَتِهَا، وَالْجَامِعَةُ بِدَوْرِهَا الْمَعْرِفِيِّ، وَالْإِعْلَامُ بِمَسْؤُولِيَّتِهِ، وَالْأُسْرَةُ بِحِوَارِهَا، وَالْمُجْتَمَعُ بِتَمَاسُكِهِ، كُلُّهَا أَطْرَافٌ فِي مَنْظُومَةِ الْوِقَايَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ. وَفِي الْمُحَصِّلَةِ، لَيْسَ الْإِرْهَابُ قَدَرًا يَفْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ، وَلَا قُوَّةً لَا يُمْكِنُ احْتِوَاؤُهَا؛ لَكِنَّ مُوَاجَهَتَهُ تَفْشَلُ حِينَ نُصِرُّ عَلَى أَدَوَاتٍ لَمْ تَعُدْ تُوَاكِبُ تَحَوُّلَاتِهِ، وَتَضْعُفُ حِينَ نَخْتَزِلُهُ فِي مَظَاهِرِهِ وَنُهْمِلُ بِيئَاتِهِ، وَتَفْقِدُ مَشْرُوعِيَّتَهَا حِينَ تَتَجَاوَزُ الْعَدَالَةَ وَالْحُقُوقَ الَّتِي تَسْتَهْدِفُ حِمَايَتَهَا.
فَالْمَعْرَكَةُ لَمْ تَعُدْ عَلَى الْجَبْهَةِ الْأَمْنِيَّةِ وَحْدَهَا؛ إِنَّهَا مَعْرَكَةٌ عَلَى الْوَعْيِ، وَالثِّقَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْعَدَالَةِ، وَقُدْرَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ عَلَى التَّكَيُّفِ. وَإِذَا كَانَ الْإِرْهَابُ يَتَجَدَّدُ بِأَدَوَاتِهِ وَخِطَابَاتِهِ وَشَبَكَاتِهِ، فَإِنَّ مُوَاجَهَتَهُ يَجِبُ أَنْ تَتَجَدَّدَ بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ؛ فَلَا نَكْتَفِي بِإِحْبَاطِ الْخَطَرِ، بَلْ نَمْنَعُ مَصَادِرَ تَجَدُّدِهِ؛ وَلَا نُدَافِعُ عَنِ الْمُجْتَمَعِ بِالْقُوَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ نَحْمِيهِ بِالْعَدَالَةِ وَالْوَعْيِ وَالتَّمَاسُكِ.
فَالْوَطَنُ الْقَوِيُّ لَيْسَ هُوَ الَّذِي يَنْتَصِرُ فِي مُوَاجَهَةٍ أَمْنِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ الَّذِي يَمْنَعُ الْإِرْهَابَ مِنْ أَنْ يَجِدَ فِي عُقُولِ أَبْنَائِهِ مَمَرًّا، أَوْ فِي مُؤَسَّسَاتِهِ ثَغْرَةً، أَوْ فِي انْقِسَامَاتِهِ فُرْصَةً. وَتِلْكَ هِيَ الْمُوَاجَهَةُ الَّتِي تَتَجَاوَزُ رَدَّ الْفِعْلِ إِلَى صِنَاعَةِ الْمَنَاعَةِ، وَتَنْتَقِلُ مِنْ حِمَايَةِ الْحَاضِرِ إِلَى تَأْمِينِ الْمُسْتَقْبَلِ.












































