اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
ضرر التطرف على حياة الفرد بالغ الخطورة؛ فمن خرج عن الاعتدال في أموره تضرّر بلا شك، ويظهر ذلك جليًا في المعيشة والصحة، فالإنسان إذا قتّر على نفسه، وأهمل تعاطي أسباب العيش لم تهنأ له حياة، ولو أسرف في اقتناء كل ما رأى وتعاطي كل ما أحب لم يبقَ له درهم، ولم تستقر له صحة، وكان عرضةً للندم والحسرة، ومذمومًا شرعًا..
ليس للإنسان أن يسير في أمور معاده ومعاشه على هواه، وأن يغلو فيما شاء كيف شاء، ولا أن يقصّر فيما أراد كيف يحلو له، بل هو مأمور بأن يدور في دائرة الاعتدال، وهي واسعة بما فيه الكفاية لكل ما من شأنه تحصيل منافع الدين والدنيا، ودفع المفاسد الآجلة والعاجلة، وليست دائرة الاعتدال ضيقةً عن ذلك كما يتوهمه من يتقاعس عنها بالتفريط، أو من يمرق منها بالغلوّ، بل جميع المقامات والمستويات المحمودة من الأعمال والتصرفات منحصرة ضمن هذه الدائرة، وما خرج عنها من أي طرف فهو مذموم، وصدق من قال:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد
كلا طرفي قصد الأمور ذميم
ولو استعرض الإنسان ما يحرّم ويستقبح شرعاً ونظاماً، وما يستهجنه العرف وتتجافى عنه القيم النبيلة لوجد أن أساس قبحه وحظره خروجه عن الاعتدال، وأن الغرض من منعه كبح جماح النفوس البشرية من الابتعاد عن الوسطية، وصرفها عن متاهات التطرف، والابتعاد عن الاعتدال لا يخلو من كلفة ومشقّة لكن نفوس بعض الناس تقتحمه لما تجد فيه من الاسترسال في الاعتداد بالنفس واستشعار التفرّد، وهو باب من أبواب الهوى يفتتن به من ولجه من الناس، فيهوّن عليه ما يكابده المفرط أو المفرّط من متاعب وتبعات خروجه عن الجادّة، ولي مع آفات التطرف وقفات:
الأولى: ضرر التطرف على الدين عظيم، فالإنسان متعبّد بالاتباع، منهيّ عن الابتداع، فالغلوّ في الدين مذموم شرعاً؛ لمنافاته لقاعدة الشرع من وجوب الانقياد لما أمر الإنسان به وفق الضوابط الشرعية والنظامية، ولما يتضمنه من الشذوذ ومخالفة ما يكون عليه جمهرة المسلمين من أئمتهم وعامتهم، وقد نهى الله تعالى عنه وقرنه باتباع أهل الأهواء، فقال: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقّ ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيراً وضلّوا عن سواء السبيل)، وآفة الغلو في الدين أن الغالي يتخيّل أن بوسعه أن يحصّل بمساعيه التي ابتدعها مقاماً دينياً لا يحصل لمن انقاد لأوامر الله تعالى وكان مع الجماعة وإمامها وتقيّد بما شرعه الله تعالى على الوجه الذي سنّه نبيّه صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن كمال الدين مرهون باتباع السنة، وأن من قصّر عنها فهو مفرّط، ومن تخطاها فهو مفرط، وما يتخيل بعد ذلك أنه زيادة فهو في الحقيقة نقصان وتعب فيما لا جدوى فيه، ولما فهم النبي صلى الله عليه وسلم مخايل هذا الشعور عالجه فوراً وحسم عندهم مادته، فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه. فقال: 'ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني'، متفق عليه.
الثانية: ضرر التطرف على الأمن والمجتمع كبير، والمتطرف في أي شيء كان تطرّفه، فهو يسعى ضد المجتمع وأمنه؛ وذلك لأسباب كثيرة: منها -في أقل الأحوال لكنه خطير- أنه منشغل بما يضرّ ولا ينفع، وإذا فشت الظاهرة التي يمثلها أوجدت في المجتمع فئةً منشغلةً بما لا جدوى منه، وهذا هدر للطاقة البشرية، ومنها أن المتطرّف إن كان تطرفه في الإفراط فهو يرى الآخرين من جمهرة المجتمع مقصّرين متقاعسين فيما يجب، فيناصبهم العداء لأجل ذلك، ويركب هواه فيحاكمهم بقناعاته، ويلصق بهم أنواع الألقاب السيئة والنعوت غير اللائقة، وهذه بذرة خلاف تهدّد الأمن والسلم المجتمعي، ويسفّه آراء علية الناس، ولا يلتفت إلى من أمر باتباعه من ولاة الأمر والعلماء الربّانيين المعتبرين؛ ولهذا نبتت بدعة الخوارج من بذرة التطرف، وكان للناس إذ ذاك خليفة راشد من خيار الأمة، وكبار علماء الصحابة متوافرون، لكن التطرف حدا بالخوارج إلى الجناية على أمن الأمة وتماسك المجتمع، فحصل من الشر والفرقة ما هو معلوم مدوّن.
الثالثة: ضرر التطرف على حياة الفرد بالغ الخطورة؛ فمن خرج عن الاعتدال في أموره تضرّر بلا شك، ويظهر ذلك جلياً في المعيشة والصحة، فالإنسان إذا قتّر على نفسه، وأهمل تعاطي أسباب العيش لم تهنأ له حياة، ولو أسرف في اقتناء كل ما رأى وتعاطي كل ما أحب لم يبق له درهم، ولم تستقر له صحة، وكان عرضةً للندم والحسرة، ومذموماً شرعاً كما قال تعالى: 'وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين'، ويقال مثل هذا في جميع شؤون الحياة، فمن كان مفرطاً في التعاطي مع الناس ومداخلتهم عانى من صحبة من لا يستحق أن يصحب، ومن انكمش وفرّط في معرفة الناس فاته معرفة أهل الفضل، ويقال مثله في المودّة والبغض، فالمفْرط والمفرِّط فيهما يندم إذا تغيّر كل منهما، وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن حديث: 'إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو'، فقال: 'لا تغلو في كل شيء حتى الحب والبغض'.










































