اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٧ أب ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
في كل عام، تتكرر الصورة ذاتها: فرحة بالتوجيهي، سباق على القبول الجامعي، سنوات من الدراسة والأقساط والانتظار، ثم شهادة معلقة على جدار المنزل، وملف توظيف ينتظر فرصة قد تأتي بعد سنوات، وربما لا تأتي أبداً.
المشكلة لم تعد قصة خريج لم يحالفه الحظ في الحصول على وظيفة، ولا أزمة تخصص واحد أصابه الركود. نحن أمام اختلال هيكلي بين منظومة التعليم ومنظومة العمل في الأردن، وأصبح من الصعب الاستمرار في التعامل معه بالمسكنات.
الأرقام تستحق التوقف عندها. معدل البطالة بين الأردنيين بلغ 21.1% في الربع الأول من عام 2026، ووصل بين الأردنيات إلى 32.7%. وفي المقابل، تشير بيانات ودراسات منشورة إلى أن بطالة حملة البكالوريوس فأعلى بلغت 25.8% في 2024، مقابل 15.8% بين حملة الثانوية، في مؤشر مؤلم يقول إن الحصول على شهادة جامعية لم يعد، بمفرده، جواز عبور إلى سوق العمل.
والصيدلة مثال صارخ ظهر مجدداً هذا الأسبوع.
نقيب الصيادلة تحدث عن بطالة تقارب 30% بين الصيادلة، وقال إن ما بين 17 و18 ألف طالب يدرسون الصيدلة حالياً، بينما يتخرج نحو 3 آلاف سنوياً، في وقت تقدر فيه حاجة السوق بنحو 1200 وظيفة.
هنا يجب أن نسأل السؤال الذي نتجنبه منذ سنوات:
إذا كنا نعرف أن السوق لا يستطيع استيعاب هذه الأعداد، فلماذا نستمر في إنتاجها؟
ليس المطلوب أن نحرم الطالب من حقه في التعليم، ولا أن نقرر نيابة عنه مستقبله، لكن حق الطالب في الاختيار يجب أن يقابله حقه في معرفة الحقيقة قبل أن يدفع سنوات من عمره وآلاف الدنانير في تخصص يعرف صانع القرار مسبقاً أن فرصه محدودة للغاية.
المشكلة أن الثقافة التعليمية الأردنية ما تزال في أجزاء واسعة منها تنظر إلى الجامعة باعتبارها الغاية، لا باعتبارها وسيلة. الأسرة تريد أن تقول إن ابنها أو ابنتها أصبح طبيباً أو مهندساً أو صيدلانياً أو محامياً، فيما ما تزال المهنة التقنية في الوعي الاجتماعي أقل مكانة، حتى عندما يكون صاحبها أكثر طلباً في السوق وأعلى دخلاً من خريج جامعي ينتظر وظيفة.
وهذه ليست مسؤولية الأسرة وحدها.
الدولة تعرف أرقام القبول، وتعرف أعداد الخريجين، وتعرف أعداد الباحثين عن العمل، والجامعات تعرف الطاقة الاستيعابية، والنقابات تعرف تشبع المهن، ووزارة العمل يفترض أنها تعرف اتجاهات السوق.
بل إن وزارة العمل أطلقت مطلع هذا العام نظام معلومات سوق العمل بوصفه مشروعاً وطنياً استراتيجياً لمواكبة المتغيرات الاقتصادية. كما يتضمن البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029 مشاريع للتوسع في التعليم المهني والتقني واستحداث تخصصات تلبي احتياجات الصناعات عالية القيمة.
إذن، المعلومات موجودة، والاتجاه معروف، والخطط موجودة.
ما ينقصنا هو الجرأة على اتخاذ القرار.
لماذا لا يحصل طالب الثانوية العامة، قبل تقديم طلب القبول، على مؤشر واضح أمام كل تخصص؟
أخضر: مطلوب.
أصفر: فرصه محدودة.
أحمر: مشبع أو راكد.
ولماذا لا يعرف الطالب عدد خريجي التخصص خلال السنوات الخمس الماضية، وعدد المشتغلين منهم، ومتوسط فترة انتظار الوظيفة، ومتوسط الأجر، وحجم الطلب المتوقع خلال السنوات المقبلة؟
نحن في عام 2026. لا ينبغي أن يختار شاب مستقبله المهني اعتماداً على اسم التخصص أو نصيحة قريب أو الصورة الاجتماعية للمهنة.
بل يجب أن يختاره بناء على بيانات حقيقية.
والأهم من ذلك، يجب أن نمتلك الشجاعة لمراجعة أعداد القبول نفسها.
فليس من المنطق أن نعلن أن تخصصاً مشبع، ثم نواصل قبول آلاف الطلبة فيه، وبعد أربع أو خمس سنوات نفاجأ بأنهم انضموا إلى طوابير البطالة.
ولا يكفي أن نقول للطالب: أنت اخترت.
لأن الدولة التي تعرف أن الطريق مزدحم حتى نهايته، ثم تفتح بوابته على مصراعيها، تتحمل جزءاً من المسؤولية.
نحتاج إلى تغيير مفهوم الجامعة
التعليم الجامعي الأردني بحاجة أيضاً إلى الانتقال من سؤال:
ماذا درست؟
إلى:
ماذا تستطيع أن تفعل؟
قد يحمل الخريج شهادة ممتازة، لكنه يدخل مقابلة العمل بلا لغة أجنبية قوية، ولا خبرة تطبيقية، ولا مهارات رقمية، ولا قدرة كافية على التواصل أو العمل ضمن فريق.
وفي المقابل، قد يملك شاب آخر تدريباً تقنياً متخصصاً ومهارة مطلوبة في الصناعة أو التكنولوجيا أو الطاقة أو الصيانة، فيجد العمل أسرع.
هذا ليس انتقاصاً من الجامعة.
بل إنقاذ لفكرة الجامعة نفسها.
فالجامعة التي تمنح طالبها شهادة ولا تمنحه قدرة حقيقية على المنافسة في سوق العمل، تحتاج إلى مراجعة وظيفتها، كما يحتاج الاقتصاد الذي لا يستطيع خلق وظائف مناسبة لخريجيه إلى مراجعة بنيته.
والتعليم المهني ليس خياراً للطالب الأقل معدلاً
هذه واحدة من أخطر الأفكار التي يجب كسرها.
يجب ألا يبقى التعليم المهني والتقني «الخيار الثاني» لمن لم يحصل على معدل يؤهله للجامعة.
في الاقتصادات الناجحة، المهارة قيمة اقتصادية.
الفني المتخصص، والمبرمج، وتقني الطاقة الشمسية، وفني المركبات الكهربائية، وتقني أنظمة التبريد، والمتخصص في الأتمتة الصناعية، ليسوا أقل أهمية من أصحاب الشهادات الجامعية.
وربما يكون سوق العمل الأردني خلال السنوات المقبلة بحاجة إلى كثير منهم أكثر من حاجته إلى آلاف الخريجين الجدد في بعض التخصصات التقليدية.
الجامعة ليست مكتب توظيف.. ولكن
من الإنصاف أيضاً ألا نحمل الجامعات وحدها مسؤولية البطالة.
فالجامعة ليست مطالبة بتعيين خريجيها، والاقتصاد نفسه مسؤول عن خلق فرص العمل، والقطاع الخاص مسؤول عن التدريب والأجور وبيئة العمل، والحكومة مسؤولة عن الاستثمار والنمو.
لكن التعليم مسؤول عن شيء أساسي:
ألا ينتج فجوة يعرف مسبقاً أنها تتسع عاماً بعد عام.
ونحن اليوم أمام فرصة لإعادة التفكير، خصوصاً مع التحولات التي تشهدها منظومة التعليم والقبول والمسارات الجديدة، ومع إقرار تشريعات حديثة لتنظيم العمل المهني، بما يتيح بناء علاقة مختلفة بين المدرسة والجامعة والتدريب وسوق العمل.
نحتاج إلى قرار قد لا يكون شعبياً
إعادة هندسة التعليم لن تكون سهلة.
قد تعني خفض القبول في تخصصات معينة.
وقد تعني إغلاق برامج لم تعد لها حاجة.
وقد تعني دمج أقسام جامعية.
وقد تعني توجيه استثمارات أكبر إلى كليات المجتمع والتعليم التقني.
وقد تعني أيضاً أن تتوقف بعض الجامعات عن النظر إلى الطالب باعتباره رقماً جديداً في الإيرادات، وأن تبدأ بالنظر إليه باعتباره شاباً سيطرق باب سوق العمل بعد أربع سنوات.
هذا القرار قد يغضب جامعات، وأسرًا، ونقابات، وربما طلبة.
لكن البديل أكثر كلفة.
البديل أن نستمر في تخريج أفواج جديدة، ثم نطلب منها الصبر، وبعد سنوات نقول لها إن تخصصاتها مشبعة.
وهذه ليست سياسة تعليمية؛ إنها إدارة مؤجلة للبطالة.
الأردن لا يعاني نقصاً في العقول ولا في الطموح. لدينا شباب يريدون التعلم والعمل وبناء حياتهم، لكن مسؤوليتنا أن نعطيهم خريطة طريق صادقة.
لا نحتاج إلى جامعة لكل حلم.
نحتاج إلى تعليم يقود إلى مستقبل.
وآن الأوان لأن تصبح قيمة الشهادة فيما تفتحه من أبواب، لا في الإطار الذي تعلق فيه على الحائط.












































