اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
من أنواع تقمص المرجعية أن يراقب إنجازات الآخرين ومهاراتهم واختياراتهم، ويحاكمها إلى ذوقه، فإذا أبدع فلان قلّل من شأن ذلك، وعلل ذلك أنه لم يعجبه، وإذا اختار فلان لنفسه خيارًا سليمًا شرعًا ونظامًا وعرفًا زهد فيه بحجة أنه لا يفعل هذا ولا يروقه، وإذا سعى آخر في مصلحة من مصالحه شكّك في وسائله أو في كون المقصد مصلحةً بحجة أنه لا يسلك هذا الدرب..
لكل شيء معياره الحقيقي المعتبر الذي يجعل مرجعيةً فيما يقبل منه وما يرد، وهذه المعايير منها المتقرر الذي يستوي الجميع في لزوم مراعاته، كالمقررات الشرعية والأنظمة المرعية، وقواعد الأخلاق والقيم الأساسية، ومنها ما يخضع للنسبية كتفاصيل الأعراف وأصناف الاهتمامات المشتركة، ولا يعني خضوع هذا القسم للنسبية أنه متحرر من المرجعية؛ لأن احترام نسبيته والاعتراف بها كالمرجعية له، وأيضاً لا تخلو كيفية مزاولته من أن تحتاج إلى مرجع شرعي ونظامي وأخلاقي، فمثلا: شعبية بعض الأكلات أمر نسبي يختلف باختلاف الأعراف والأذواق، لكن كيفية تناول الإنسان لما يختاره منها خاضعة لآداب الشرع، فلا يشرع له أن يأكل بشماله، ولا من غير ما يليه، وخاضعة أيضاً للأنظمة فلا يسوغ له أن يأكل وهو يقود السيارة، وخاضعة للأعراف فلا يخلو عرف من وضع ضوابط لأوقات وأمكنة وكيفية الأكل، وعلى هذا فالإنسان بحاجة إلى معايير تنضبط بها تصرفاته، ولا يسعه أن يجعل من نفسه مرجعيةً لما يفعله، فضلاً عن أن يجعل نفسه مرجعيةً للآخرين، ولي مع سلبية تقمص المرجعية وقفات:
الأولى: من الحكم التي جاءت بها الشريعة تربية المسلم على النزول عند مقررات الشرع، وعدم معارضتها باختياراته وقناعاته، فمن ذلك ما يتعلق بتنزيل الأمور منازلها وتفضيل المفضل من أشخاص كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن أمكنة كالحرمين، وأزمنة كرمضان وعشر ذي الحجة، فما نص عليه الشرع من ذلك فليس للناس طريق إلى تغييره، كما قال تعالى: 'وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون'، ومنه ما يتعلق بالمصير إلى ما أمر به، والكف عما نهى عنه، كما قال تعالى: 'وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم'، ومنه ما يتعلق بضرورية أداء العبادة على الوجه المشروع، وعدم ابتداعها أو الابتداع فيها، كما يدل عليه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 'من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد'، أخرجه مسلم، كما أن من حكم الشرع إيجاب طاعة ولي الأمر كما قال تعالى: 'يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم'، وإناطة القرارات المتعلقة بشؤون الدولة والأمر العام بولي الأمر ومن ينيبه في تطبيق ما قرره، وكف أيدي عامة الناس عن اتخاذ المرجعية خارج الإطار الرسمي، وهذا التقييد للمرجعية فيه ثوابت الشرع ونصوصه، لا قناعات الناس ورغباتهم، فليس لأحد أن يقول: أطيع إذا أردت، بل طاعة ولي الأمر واجبة على أي حال، كما يدل عليه حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، قال: 'بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله'، فهذه النصوص تدل على أن العبادات وما يتعلق بالشأن العام والأنظمة لا يسع الإنسان أن يتخيل أنه مرجعية نفسه فيها، ولا أن يفتات فيها على من له القرار.
الثانية: اتخاذ الإنسان نفسه مرجعيةً لمصالحه يتلازم غالباً مع ارتجال القرارات، وعدم الالتفات إلى أقوال أهل الخبرة، فكأنه يستغني بما يراه ويخمنه عن الرجوع إلى الآخرين والاستضاءة بآرائهم، وإذا انتبه بعض القريبين منه إلى سلوكه درباً غير ناجح ونبهه على ذلك لم يستمع له، وهذا خلاف ما أرشد الله تعالى إليه عباده، فقد أرشدهم إلى طلب المشورة، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: 'وشاورهم في الأمر'، وصدق من قال:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن
برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشورى عليك غضاضة
مكان الخوافي رافد للقوادم
بل يصل الأمر بمن يجعل نفسه مرجعيةً إلى درجة عدم مبالاته بتجارب نفسه؛ لأن المرجعية الحقيقية عنده هي انطباعاته وأحاسيسه التي قد تخالف نتيجة التجارب، فيتجاهل التجربة؛ لأنها حقيقة ثابتة بغض النظر عما يتشهى، فالعبرة عنده بما يراه ويعتقده، ولا غبار على أن من هذه حاله يسعى -من حيث لا يشعر- إلى الإساءة إلى نفسه.
الثالثة: من أنواع تقمص المرجعية أن يراقب إنجازات الآخرين ومهاراتهم واختياراتهم، ويحاكمها إلى ذوقه، فإذا أبدع فلان قلّل من شأن ذلك، وعلل ذلك أنه لم يعجبه، وإذا اختار فلان لنفسه خياراً سليماً شرعاً ونظاماً وعرفاً زهد فيه بحجة أنه لا يفعل هذا ولا يروقه، وإذا سعى آخر في مصلحة من مصالحه شكّك في وسائله أو في كون المقصد مصلحةً بحجة أنه لا يسلك هذا الدرب، فكأن لسان حاله يقول: إما أن أكون لهذا مرجعيةً ونموذجا يحتذى به أو هو غير معتد به، وهذا السلوك بالغ السلبية، وفيه تسلط على الناس، بحيث يحاكم أفعالهم وأقوالهم وأذواقهم إلى ما يروقه، فما وافقه كان محموداً لأنه وافقه، وإذا خالفه -ولو في التفاصيل- كان مذموماً؛ لأنه خالفه، وهذا سلوك سلبي يبتلى به كثير من الناس، ولا يستطيع من انتهج طريقه أن يكون منصفاً ولا متسامحاً.










































