اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ شباط ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
تمثل حقوق المؤلف ركيزة جوهرية في منظومة الملكية الفكرية، إذ تنهض على أساس فلسفي راسخ مؤداه أن الإبداع الإنساني ثمرة لجهد ذهني وروحي يستوجب صوناً وتقديراً، ويقوم على الاعتراف القانوني بارتباط شخص المبدع بمصنفه ارتباطاً معنوياً ومالياً، بحيث ينسب إليه العمل ويحصل على ثمرة استثماره الفكري خلال مدة محددة من الحماية؛ وتنبع أهمية هذه الحماية من كونها تشكل حافزاً مباشراً على الابتكار والإنتاج الثقافي والمعرفي، باعتبار أن ضمان الحقوق يبدد جزءاً كبيراً من مخاطر الاستغلال غير المشروع للمصنفات في بيئة رقمية تتسم بسهولة النسخ والنشر والتداول عبر الحدود؛ حيث لم يعد ينظر نظام حقوق المؤلف الجديد إلى المصنف بوصفه نتاجاً فردياً فحسب، بل كأصل غير ملموس يسهم في الناتج الاقتصادي الوطني، ويؤسس لصناعة قائمة على المحتوى في مجالات النشر والبرمجيات والوسائط السمعية والبصرية والتعليم؛ ومن ثم فإن التدخل النظامي لحماية المصنفات، من خلال تحديد نطاق الحقوق ومدتها وآليات إنفاذها، أصبح ضرورة لتحقيق التوازن بين حق المؤلف في السيطرة على استغلال مصنفه، وبين حق المجتمع في النفاذ إلى المعرفة ضمن حدود الاستثناءات المشروعة.
وقد جاء النظام الجديد لحقوق المؤلف ليستوعب تحولات عميقة في الواقع التقني، خصوصاً مع انتشار النشر الرقمي وتنامي تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ ومن أبرز ملامحه إقرار استثناء منظم يجيز نسخ المصنفات لأغراض تدريب وتطوير خوارزميات ومنتجات الذكاء الاصطناعي، بما يعكس انتقال المنظم من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق التشريعي للتقنيات الناشئة؛ كما عمل النظام على إعادة هيكلة التقييدات والاستثناءات على حقوق المؤلف، بغية الحد من التعارض في التطبيق، وتنظيم الحقوق المجاورة بصورة أوضح، بما يشمل مثلاً فناني الأداء والهيئات الإذاعية وغيرهم؛ وعلى صعيد الحوكمة، منح النظام الهيئة السعودية للملكية الفكرية صلاحيات رقابية موسعة، وأتاح التسوية في الحق العام، وتقسيم التعديات إلى جزائية ومدنية، مع إقرار التسجيل الاختياري للمصنفات كأداة إثباتية تعزز حماية أصحاب الحقوق من دون إرهاقهم بإجراءات ترخيص أو إيداع إلزامية.
ومع ما يحمله النظام الجديد من تطور ملحوظ، يبقى المجال مفتوحاً لبعض الملاحظات المستفادة من تجارب القوانين المقارنة والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها المملكة؛ فالنظام غفل معالجة صريحة للذكاء الاصطناعي بوصفه مبدعاً لا مجرد أداة استخدام، في حين تتجه التشريعات المقارنة الحديثة نحو مزيد من التفصيل في تنظيم المصنفات المنتجة كلياً أو جزئياً بواسطته، تفادياً لفراغات تفسيرية قد تفضي إلى تباين الاجتهاد القضائي وتضارب الأحكام؛ كما تظهر الحاجة إلى تعزيز آليات الترخيص الجماعي الممتد للمصنفات المستخدمة على نطاق واسع في بيئات تعليمية أو بحثية، بما يحقق توازناً أوضح بين حماية الاستغلال التجاري للمصنف وتمكين المؤسسات التعليمية والبحثية من النفاذ المنظم إلى المحتوى؛ كما يستوجب تعزيز ضمانات نفاذ ذوي الإعاقة إلى المصنفات المحمية، استرشاداً بمعاهدة مراكش والممارسات المقارنة، كيلا تغدو حماية حقوق المؤلف عائقاً أمام الحق في التعليم والمعرفة؛ وأخيراً يلاحظ أيضاً غياب تنظيم الأعمال اليتيمة، وهي المصنفات التي يتعذر الوصول لأصحابها رغم بقاء حقوقها محمية، ما يعيق رقمنتها وانتفاع المجتمع بها.










































