اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ أيار ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
شاعت فكرة «صناعة الإنسان المدين» في زمننا المعاصر، بريادة نقد ماركسي، يزعم مجانبة الرؤية الكونية «الرأسماليّة»! رغم انبثاقهما من أصل غربيّ لرؤية كونيّة جامعة، لها مؤطرات وبنى كبرى ضامّة! إلا أنهم بِشُعبِ التفصيلات توهموا تفسيرات تفرّقهم، كالتمييز بين الرؤية الكونية الماركسيّة والرؤية الكونية الليبرالية في النظر إلى الذات الإنسانيّة وجودياً (البعد الأنطولوجيّ)، مقابل تشكيلها وصناعتها بالخطابات المهيمنة. وهذا التمييز التفسيريّ عند النظر إلى معالمه ومشتركاته يضعنا أمام مرويّات لا تتخطّى رؤية كونية تعلوهما، تجمع بين الفرقاء؛ لانحصارهم في شكل عالم محدود، وتصنيفات معيّنة للمميز الإنسانيّ (الحرية مثلاً)، وميزان معين لتأسيس القيم الاجتماعيّة (المساواة مثلاً)، في سياق سياسي-اجتماعيّ، له علاقة شائكة مع الدين، ومع ما تقدّم من تجارب. هذه الملاحظة يمكن استصحابها عند قراءة «موريزيو لازاراتو» (الفيلسوف وعالم الاجتماع الإيطاليّ المعاصر)، في تفنيده للرؤية الكونيّة الرأسماليّة، وخصوصا «الرأسمالية الجديدة-النيوليبراليّة» في كتابه «صناعة الإنسان المدين: دراسة حول الوضعية النيوليبراليّة»، حيث فَصَل بين «الحال الوجوديّ» و»الوضع الصناعي» للإنسان (الذات الإنسانيّة) في زمن «النيوليبرالية»، عادّاً الوجود الإنسانيّ وجوداً رحباً، فيه يُبنى فعل الإنسان على قيمة «الثقة»؛ أي قيام الفاعل بفعل ما «واثقاً» (=معتقداً) مما سيحصّله من ورائه (أي الثقة في المقصد)، مبحراً في عالم الممكنات، وهو عالم الأسرار التي لم تُكتشف، إن في الذات أو في العالم أو في الآخرين. فهذا الوقود للطموح والنهوض الإنسانيّ، وقيمته المصاحبة هي «اللايقين» (ويمكن أن نلحظ إضماره لـ «الحريّة» في مبدأ العمل بالاعتقاد). في حين ألغت «الرأسمالية» في صيغتها «النيوليبرالية» -عند موريزيو- أساس «الثقة» وهو «اللايقين»، وبنته على «اليقين»، إذ الثقة عنده على نوعين: ثقة العادات، وثقة الاعتقادات، فالأولى ثقة تحددت ورُسمت واكتملت -لا اختيار-، والفعل ممنهج سلفاً، لا مستقبل فيه إلا التنفيذ والإجراء (أي آليّ)، أمّا الثقة الثانية فهي اللااكتمال واللاتحديد، ومن ثمّ النهوض والانفتاح على ممكنات أكثر، فتزدهر التجارب. فهذا أول مستوى وجودي -خُلقيّ يمكن بناء منظومة التمييز بين «الرأسمالية» و»اللارأسمالية» عليه -وفق كلامه-، ومبناها على قيمة «الثقة» تحت مظلة «اللايقين».
وعند التأمل في هذا الحدّ الفاصل، فإن الجوامع بين الفرقاء أكثر من الفوراق، عند استصحاب الرؤية التطوّرية للإنسان، وأن عالم الممكنات عالم الثراء لفقد اليقين الذي اهتزّ بفعل التطورات الحديثة في أوروبا فكراً وحياة...؛ فمن موروث تجاربهم: الإنسان «التطوّريّ»، والمستقبل المفتوح، والتاريخ المصنوع إنسانياً، واعتقاد إمكانية التحكّم في التاريخ بالتخطيط وحسن الاستشراف، وفق رؤية كونية محصورة في العالم الآني (هنا والآن). وبناءً على أساسه الوجودي المميز بين الإنسان في طبيعته الفعليّة اللايقينية ومرتع قيمة «الثقة» تحتها، يلقي بسهام النقد المتناقض -من خلفيته الماركسيّة- على الأساس الصناعي للإنسان، المفارق لأساسه الوجودي، وذلك لأنّ القيمة ذاتها «الثقة» أُعمِلت في ميدان مختلف هو: «اليقين»، في رسم آليّ ممنهج، وصناعة إنسان مدين (هو: شخصية مفهومية صنعتها النيوليبرالية لها معالم، تحت مفهوم رؤيتها الكونية، وهي «المداينة»).
وفي المقابل البعيد من رؤية لازاراتو الكونية، ومن استقى منهم أدواته المعرفية (دولوز، فوكو، غيتاري...)؛ نجد «سيد نقيب العطّاس» الذي تناول «الإنسان المدين» بإيجابيّة، لا من جهة رؤية كونيّة ضيّقة محصورة في (الآن وهنا) بل متجاوزة لهما معاً، وعائبة على الرؤية الكونية الغربية هذه المزايا التي عدّها موريزيو، وهي: اللايقين، والثقة! حيث ردّ العطّاس المظاهر الاجتماعيّة للعلاقات المدنيّة -داخل المدينة- إلى جهاز مفاهيمي اقتصاديّ يفسّر علاقة الإنسان بالإنسان في المدينة تحت مظلّة علاقة الإنسان بالخالق، وهي «المداينة»، وأنّها رفعة للإنسان في الدنيا والآخرة (وقد تقدّمت عدة مقالات عن هذه الرؤية الكونية عند العطّاس في هذه الصحيفة المباركة). فإن كان نقّاد الحداثة -من حيث هي الرأسمالية أو الليبرالية أو هما معاً- ينتهجون نهج بناء الأخلاق على العلاقات، وفق قيمة واقعية أساسية (المساواة)، ومن ثم إن اختلت حصلت خطابات قوّة مشكلة للذوات بتسلط سياسي أو اقتصاديّ؛ بلا تأسيس خُلقي واجب وثابت، فإنّ الأخلاق عند العطّاس في أصلها قيم ثابتة واجبة، متيقن منها، لا تتغير بالزمان والمكان، ولا تتطور، والإنسان هو الإنسان منذ عهده الأوّل. وأن أزمات الرؤية الغربية أساسها اللايقين المفرز لعدم التمييز بين الثابت والمتغير، وإعادة تدوير الأزمات... وللحديث بقية إن شاء الله.










































