اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ أذار ٢٠٢٦
محمد الرشيدي
منذ بدايات عملي بالصحافة الفنية وعلى مدار التاريخ الذي سبقني نجد أنه كلما ظهر عمل درامي محلي جديد ومختلف في فكرته وفيه جرأة، يتكرر المشهد نفسه المتمثل بموجة واسعة من النقاشات والآراء والأحكام السريعة، يتحدث الجميع، وتُكتب التعليقات، وتُطلق الاتهامات أحياناً قبل أن يكتمل عرض العمل أو تتضح فكرته، مما يجعلنا نرجع لسؤال قديم يتكرر منذ سنوات: هل تمثل الدراما المجتمع؟ وهل ما نراه على الشاشة هو صورة حقيقية لحياتنا اليومية؟.
الإشكالية في هذه النقاشات من وجهة نظري، لا تتعلق في العمل الدرامي نفسه بقدر ما تكمن في غياب النقد الفني المحترف، فبدلاً من قراءة العمل من زاويته الفنية –نصاً وإخراجاً ومعالجة درامية– يتحول النقاش سريعاً إلى محاكمة اجتماعية وأخلاقية للعمل، وكأن المسلسل بيان رسمي يصف المجتمع بدقة أو يمثل صورته الكاملة..!
وهذا ما نشاهده اليوم ويتكرر في كثير من النقاشات حول الدراما في السعودية، وخصوصاً في الجدل الدائر حول مسلسل 'حي الجرادية'، فبدلاً من تحليل العمل بوصفه تجربة درامية قابلة للنقد، يتحول النقاش إلى أحكام عامة تُختزل فيها صورة المجتمع في مشهد أو شخصية درامية!
بعض الانتقادات وصلت إلى اعتبار أن العمل يسيء إلى المجتمع أو يشوه صورته، لكن هذا النوع من الجدل يعكس في جوهره فكرة قديمة رافقت الدراما في كثير من المجتمعات، وهي الاعتقاد بأن الفن يجب أن يقدم صورة مثالية للمجتمع، أو ما يمكن تسميته (لمجتمع الملائكي) الذي يخلو من الأخطاء والتناقضات، وهذه الفكرة بطبيعة الحال لا تعكس طبيعة الفن ولا طبيعة المجتمعات في الوقت نفسه، فالدراما ليست تقريراً اجتماعياً، وليست وثيقة رسمية تصف المجتمع كما هو، بل عمل إبداعي يختار زاوية معينة من الحياة ويحوّلها إلى قصة درامية.
الأمثلة تتكرر كل عام لدينا والحساسية في زيادة، والكثير يندفعون حتى لو لم يشاهدوا الأعمال، فعندما عرض مسلسل 'العاصوف' دار نقاش واسع حول الطريقة التي تناول بها تحولات المجتمع في فترات تاريخية معينة، وقبل ذلك بسنوات طويلة كان ومازال مسلسل 'طاش ما طاش' يثير جدلاً مماثلاً كلما اقترب من قضية اجتماعية حساسة، ومع ذلك تجاوز الانتقادات التي كانت كبيرة عليه في تلك الفترة وأصبح جزءاً مهماً وراقياً من الذاكرة التلفزيونية السعودية.
الغريب أنه رغم تفهمنا مع التطورات الكبيرة بوسائل التواصل وانفتاحنا على المجتمعات الأخرى نعرف أن المجتمع السعودي اليوم ليس مجتمعاً معزولاً عن العالم، فنحن من أكثر المجتمعات سفراً إلى الخارج وتفاعلاً مع الثقافات المختلفة، ونتابع يومياً أعمالاً درامية عالمية عبر المنصات الحديثة، لذلك يصبح من غير المنطقي أن نطالب الدراما المحلية بأن تقدم صورة مثالية بالكامل، بينما ندرك أن الدراما في كل مكان تتناول قصصاً معقدة وشخصيات متناقضة!
أنا هنا لا أدافع عن مسلسل بعينه، فالنقد الفني مشروع ومطلوب، لكن الفرق كبير بين نقد يناقش جودة العمل ومعالجته الفنية، وبين تضخيم القضية إلى حد توجيه اتهامات قاسية لصناع العمل وكأنهم يسيئون عمداً إلى المجتمع، فالعمل الإبداعي بطبيعته يخرج أحياناً خارج الصندوق، ويطرح موضوعات أو شخصيات قد لا تعجب الجميع، وهذه ليست مشكلة بحد ذاتها، لأن الدراما في النهاية ليست مشروعاً إصلاحياً ولا بياناً اجتماعياً، بل مساحة فنية للسرد وطرح الأسئلة.
لذلك لا بد أن نتعايش مع واقعنا، ونفهم أن الدراما مجرد قصة تُروى، وشخصيات تُكتب، وأسئلة تُطرح، أما المجتمع الذي نحب أن نراه ملائكياً على الشاشة، فغالباً لا يوجد إلا في خيالنا، لا في الحياة، ولا في الدراما طبعاً..!










































