اخبار تونس
موقع كل يوم -جريدة الشروق التونسية
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٦
احتضن، ليلة البارحة الاربعاء 5 اوت 2026 ، ركح مهرجان الحمامات الدولي عرض مسرحية 'جاكراندا' للمخرج نزار السعيدي، عن نص ودراماتورجيا لعبد الحليم المسعودي، في عمل يواصل مساءلة الإنسان التونسي المعاصر من خلال رؤية مسرحية تعتمد الرمز أكثر من الخطاب المباشر.
تأخذ المسرحية المتفرج إلى فضاء يبدو عادياً في ظاهره، لكنه يحمل أبعاداً رمزية عميقة: مركز نداء (Call Center)، حيث تتحول الشخصيات إلى كائنات عالقة بين ماضٍ لم ينتهِ ومستقبل لم يولد بعد. إنها شخصيات أنهكها الانتظار، وتبحث عن معنى وسط واقع اجتماعي واقتصادي ونفسي متأزم، في صورة تختزل جيلاً كاملاً يعيش حالة من الضياع والأسئلة المفتوحة.
ينطلق العرض من فكرة طموحة، لكنه يقع أحيانًا في فخ الإفراط في الرمزية، حتى يصبح المتلقي منشغلًا بمحاولة فك شيفرات المشاهد أكثر من تفاعله معها. فالمسرح ليس لغزًا، بل فعل تواصل، وكلما ابتعد عن جمهوره خسر جزءًا من تأثيره.
كما أن الإيقاع لا يحافظ دائمًا على زخمه، إذ تتكرر بعض الحالات الدرامية دون أن تضيف تطورًا حقيقيًا، ما يخلق شعورًا بالبطء ويؤثر في تماسك العرض. وكان بالإمكان اختصار بعض المشاهد لتكثيف الصراع ومنح العمل قوة أكبر.
ورغم الجهد الواضح في البناء البصري، فإن السينوغرافيا لا تستطيع وحدها تعويض أي ضعف في التصاعد الدرامي. فالصورة الجميلة تبقى عنصرًا مساعدًا، لكنها لا تغني عن نص محكم وإيقاع قادر على الإمساك بالجمهور حتى النهاية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن العرض يطرح أسئلة مهمة، ويكشف عن رغبة حقيقية في تقديم مسرح مختلف يبتعد عن الحلول السهلة. لكن الطموح الفني يحتاج دائمًا إلى توازن بين الفكرة والفرجة، وبين الرسالة والمتلقي. تبدو 'جاكراندا' تجربة تستحق النقاش أكثر مما تستحق الاحتفاء المطلق. فهي عمل يمتلك الجرأة في الطرح، لكنه يترك انطباعًا بأن الفكرة كانت أحيانًا أقوى من تجسيدها فوق الركح. والمسرح، في النهاية، لا يُقاس بما يريد أن يقوله فقط، بل بقدرته على أن يجعل الجمهور يعيش ما يقول.

























