اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ حزيران ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
إن رأس السنة الهجرية ليس مجرد مناسبة لتغيير التقويم، بل هو رمزية عظمى لمعنى 'التحوّل' و'الهجرة' من حال إلى حال أفضل.. وإذا كانت الهجرة النبوية انتقالًا من ضيق الأرض إلى سعة الأمل، فإن استقبالنا للعام الجديد يجب أن يكون هجرة حقيقية من الغفلة إلى اليقظة، ومن التقصير إلى الإقبال والالتزام..
أوراق السنين حين تتساقط، تشير إلى أن شجرة العمر فقدت بعض نضارتها لتستقبل مرحلة جديدة. ومع كل عام ينصرم من أعمارنا، يقف الإنسان أمام مرآة روحه متأملاً هذا العبور المستمر للزمن رحلة غائرة في عمق الذات؛ فعندما ترحل سنة كاملة، يبرز السؤال الأزلي: هل نبقى نحن كما نحن؟ هل غيرتنا الأيام، أم أننا نحن الذين غيرنا ملامحها؟
إن السنين لا تتركنا كما وجدتنا، بل تنحت في نفوسنا دروباً من التجارب. ففي داخلنا تدور صراعات صامتة تصهر قناعاتنا وتعيد تشكيل وعينا. نتعلم من الصدمات ما لم نتعلمه من نصائح الحكماء، ونكتشف في لحظات الانكسار قوة لم نكن نظن أننا نملكها. نعم، نتغير في الداخل، وتتبدل نظرتنا للأشياء؛ فما كان يبدو في العام الماضي مصيرياً، قد نراه اليوم مجرد عابر لا يستحق الالتفات.
هذا التغيير الداخلي ينعكس بالضرورة على دوائرنا الاجتماعية. فالأعوام غربال دقيق يفرز الصادق من المزيف. في كل عام، تتبدل علاقاتنا؛ هناك من يزداد قرباً ليصبح جزءاً من الروح، وهناك من ينقص حضوره ويتلاشى بفعل المسافات أو الخيبات، وهناك من يتبدل تماماً ليحل محله عابر يحمل وفاء وعمقاً.
لم نعد نملك شغفاً للمجاملات الفارغة، وأصبحنا نميل إلى العلاقات الهادئة التي تمنحنا السلام لا القلق.
ولكن، وسط هذا الانهماك في مراجعة علاقاتنا مع البشر، يبرز السؤال الأعمق: هل راجعنا علاقتنا مع الله بالجدية ذاتها؟ إننا نتحسس مواضع رضا الآخرين وندقق في حساباتنا معهم، لكننا قد نغفل عن تفقد حبالنا الممدودة نحو السماء. كيف كانت عبادتنا في العام المنصرم؟ كم صلاة فقدت خشوعها في زحام الدنيا؟ إن الوقوف على عتبة الراحل يفرض مكاشفة صادقة مع الخالق، والاعتراف بأن كل جفاء في علاقاتنا مع الأرض قد يكون منشؤه خللاً في صلتنا بالسماء.
والواقع يخبرنا أن تصحيح العيوب يبدأ من إصلاح هذا الرابط الروحي. لقد وقعنا بلا شك في هفوات نتيجة اندفاع أو سوء تقدير في العام المنصرم، والتعلم الحقيقي ليس في عدم الخطأ، بل في امتلاك الشجاعة لتقويمه. حين نلتفت إلى الوراء ونستغفر عن التقصير، ندرك أننا قطعنا شوطاً في ترميم عيوبنا، وأن كل ندبة تركتها الأيام جعلتنا أكثر صلابة وأقرب إلى باب العفو الكريم.
ومن هذا المخاض الإنساني، نطل اليوم على أفق جديد يستقبل فيه العالم الإسلامي عاماً هجرياً جديداً.. إن رأس السنة الهجرية ليس مجرد مناسبة لتغيير التقويم، بل هو رمزية عظمى لمعنى 'التحول' و'الهجرة' من حال إلى حال أفضل. وإذا كانت الهجرة النبوية انتقالاً من ضيق الأرض إلى سعة الأمل، فإن استقبالنا للعام الجديد يجب أن يكون هجرة حقيقية من الغفلة إلى اليقظة، ومن التقصير إلى الإقبال والالتزام.
ماذا علينا أن نفعل ونحن نقف على مشارف هذا العام الهجري الجديد؟ إن أول ما يتطلبه منا هذا المنعطف هو صياغة 'رؤية جديدة للذات' وعقد صلح حاسم مع الله. يتوجب علينا أن ندخل العام الجديد بقلوب نظيفة، وأن نضع خطة واضحة لإدارة حياتنا وعلاقاتنا، والأهم: مواقيت عباداتنا، مستلهمين من دروس الأمس كيف نحمي سلامنا الداخلي. إن العام الجديد يمنحنا فرصة بيضاء لترميم ما انقطع، وجبر ما انكسر، ووضع حد للتقصير.
وعند عتبة هذا القادم المجهول، يتأكد السؤال: ماذا سنكون في عامنا الجديد؟ وماذا أعددنا له بحول الله؟ إننا لا نملك ضماناً للأيام، لكننا نملك خيار الاستعداد بوعي أعمق، وعزيمة أصلب، وإيمان يقينا تقلبات الظروف. سنواجه هذا العام بقلوب عامرة بالتوكل، متسلحين بالمرونة واليقين، ومقبلين على الأيام لا كمستسلمين لتيارها، بل كصناع لملامحنا الجديدة تحت ظل توفيق الله ورعايته.
ويبقى القول: إن مستقبل العام الهجري الجديد يدعونا أيضاً إلى تجديد العهد مع العمل المثمر الذي يرضي الخالق وينفع الخلائق، فالتغيير لا يأتي بالتمني. علينا أن نستقبل هذا العام بروح المبادرة، وأن نحول الحكمة التي اكتسبناها إلى سلوك عملي نعيشه يومياً في صلاتنا وتعاملاتنا وضغوطنا. السنين ستمضي بنا في كل الأحوال، ولكن العبرة في الأثر الذي نتركه خلفنا، وفي القيمة التي نضيفها لأنفسنا.. بعد توفيق ومشيئة الله لنبدأ عامنا بالعمل، بالتسامح، وبتوجيه بوصلتنا نحو الإنجاز والعطاء الحقيقي الذي يبقى أثره ممتداً في الأرض والسماء.










































