اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ أيلول ٢٠٢٦
ساره المعيذر
المملكة لها نموذجها وبنيتها التحتية وبياناتها وكفاءاتها، فالمملكة لم تكن لتدخل عالم الذكاء الاصطناعي لتكون مجرد مستخدم للتقنيات التي يصنعها الآخرون، وإنما تتحرك لبناء قدراتها الخاصة فالبيانات والنماذج، والبنية التحتية، ومراكز البيانات، والتطبيقات، والكفاءات البشرية، والشراكات التقنية الدولية… ولهذا فإن «هيوماين تشات» ليس القصة كلها، بل ربما يكون الواجهة التي يراها المستخدم من مشروع أكبر كثيرًا يجري بناؤه خلف الشاشة. وهنا تكمن أهمية ما يحدث. فهيوماين تشات..صنعت في السعودية.. حيث أطلقت شركة «هيوماين»، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، تطبيق «هيوماين تشات» في أغسطس 2025، وهو مساعد للمحادثة بالذكاء الاصطناعي يعمل بنموذج اللغة الكبير علّام 34B. وقد صُمم التطبيق من الأساس لخدمة المتحدث باللغة العربية، بدل أن تكون العربية مجرد لغة إضافية أضيفت لاحقًا إلى نموذج بُني أساسًا للإنجليزية.
وهذا الاختلاف جوهري. فاللغة ليست مجموعة كلمات وقواعد نحوية فقط، وإنما تاريخ وثقافة ولهجات وسياقات اجتماعية وطريقة في التعبير والتفكير. وعندما يتعامل الذكاء الاصطناعي مع اللغة دون فهم سياقها، يمكن أن تكون الإجابة صحيحة لغويًا لكنها بعيدة عن الإنسان الذي يستخدمها. ومن هنا اختارت المملكة مساحة تستطيع أن تقدم فيها قيمة مختلفة: ذكاء اصطناعي يبدأ من العربية، ويفهم بيئتها الثقافية، ثم ينطلق منها إلى العالم.. فأكثر من 400 مليون عربي.. هم سوق ينتظر من يفهمه حول العالم، ومع ذلك ظلت اللغة العربية لسنوات أقل حضورًا في التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي مقارنة بالإنجليزية وبعض اللغات العالمية الأخرى.
وهذه الفجوة ليست مشكلة ثقافية فقط، وإنما فرصة اقتصادية هائلة. فمن يستطيع بناء نموذج يفهم العربية الفصحى واللهجات المختلفة والسياقات المحلية بصورة متقدمة، فإنه لا يصنع تطبيقًا فحسب، بل يؤسس بنية تقنية يمكن استخدامها مستقبلًا في التعليم والصحة والخدمات الحكومية والإعلام والبنوك والتجارة الإلكترونية وخدمة العملاء والتسويق وغيرها. وهذا ما يجعل «علّام» أصلًا تقنيًا يمكن أن تتجاوز قيمته تطبيق المحادثة نفسه. فالسوق الحقيقية للذكاء الاصطناعي ليست فقط في سؤال المستخدم للنموذج والحصول على إجابة، وإنما في إدخال الذكاء إلى كل مؤسسة وكل صناعة وكل خدمة. فعلّام 34B.. يقف خلف «هيوماين تشات» نموذج ALLAM 34B، وهو نموذج لغوي عربي كبير بُني وطُور في المملكة اعتمادًا على جهود سعودية سابقة في هذا المجال.
وتشير بيانات «هيوماين» إلى أن النموذج يعتمد على مئات المليارات من الكلمات والرموز العربية ومئات الآلاف من الكتب، بما يستهدف منحه فهمًا أعمق للغة والسياقات الثقافية والمحلية. كما يستطيع المستخدم الكتابة بالعربية أو الإنجليزية والتنقل بينهما، والتحدث صوتيًا باللهجات العربية، إلى جانب إمكانية الاستفادة من البحث عبر الإنترنت للحصول على معلومات حديثة. لكن الأهم من الخصائص التقنية نفسها هو امتلاك المعرفة التقنية. فحين تمتلك دولة نموذجها اللغوي وبنيتها التحتية وبياناتها وكفاءاتها، فإنها تنتقل من شراء التقنية إلى المشاركة في صناعتها، وهذا هو التحول الحقيقي.










































