اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
بما أن أداء العبادات والجري على العادات الحسنة من أسباب راحة النفس، فأضدادها من أسباب ضيق البال وتكدّر الخاطر والقلق الدائم، فالإنسان يمكنه أن يتصرف بجوارحه كما يحلو له، لكنه لا يستطيع التخلص من الشعور بالذنب ولوْم الضمير له على ما يقصّر فيه، كما أنه يدرك أن التصرفات غير الملائمة شرعًا ونظامًا وعرفًا لا تخلو من تبعات ومن سوء نظرة إلى صاحبها..
لا يطيب العيش للإنسان إلا إذا توفرت له راحة النفس وطمأنينتها، وإذا فقد ذلك تكدر صفوه، ولو توفرت له أسباب الراحة البدنية؛ فإنها لا تغني عن راحة النفس، وإنما هي متممة لها، فلو هيأ الإنسان أفخم وأغلى وسائل الراحة الجسدية، وانتابه قلق نفسي وهم مزعج لأقض ذلك مضجعه، وحرمه من الاستفادة بالوسائل التي أعدها، وإنما يرتاح الارتياح المأمول إذا اجتمعت له راحة النفس وراحة البدن؛ ولذلك كانت الجنة دار الراحة الكبرى؛ لأن فيها كل ما يسعد النفس ويريح البدن، ولما كانت راحة النفس بهذا القدر من الأهمية كان طلبها أهم المهمات، ومن طبيعة الإنسان الرغبة فيها، والفرق بين الموفق لنيلها والمحروم منها في أن الموفق علم أن لها أسباباً مستقلةً، فالتمسها من خلالها، والمحروم منها يظن أنها تابعة للماديات البحتة بحيث إذا حصّل أسباب الراحة البدنية جاءته النفسية تبعاً، فرأى أن اختصار الطريق يكمن في تحصيل المتبوع في زعمه، فيظن أن قلق نفسه ناشئ عن النقصان المادي فقط، فلو تلافاه بطريقة غير ملائمة لارتاح نفسياً وبدنياً، وهذا سوء تصور للراحة الحقيقية، ولي مع راحة النفس وقفات:
الأولى: جاءت تعاليم الإسلام لتنير درب المسلم في دينه ودنياه، وتهديه إلى أساليب الراحة النفسية في الدارين، وأولى تعاليم الإسلام توحيد الله تعالى بالعبادة، والبراءة من كل معبود سواه، كما قال تعالى: 'أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه'، ثم تأتي بعده سائر العبادات بدرجاتها، ولكل منها دور في انشراح الصدر وطمأنينة البال، فمن ذلك الذكر كما قال تعالى: 'ألا بذكر الله تطمئن القلوب'، ومنه الصلاة كما يدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد إذا نام، بكل عقدة يضرب عليك ليلًا طويلًا، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت العقد، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان'، متفق عليه، ولا يستغرب أن يكون أداء العبادة سببا لراحة النفس، فالمسلم يستشعر ما عليه من حقوق ربه سبحانه وتعالى، وما أسبغ عليه من نعمه الظاهرة، وأنه خلقه ليعبده، فكلما أدى شيئاً من هذه الوظيفة فرح بما هدي إليه من التوفيق، كما ورد في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن'، أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.
الثانية: من أسباب راحة النفس التحلي بالأخلاق الفاضلة؛ فإنها جارية على مقتضى الفطرة البشرية، والنفس تطمئن بما وافق الفطرة، فإذا تجنب الإنسان الريب، وتصرف كما تملي عليه محاسن العادات والقيم النبيلة وجد لذلك راحةً في نفسه، كما يدل عليه حديث الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة'، أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.. ومن أسباب راحة النفس الإحسان إلى الناس، وقد ذكره الإمام ابن القيم من أسباب شرح الصدر فقال: 'ومنها: الإحسان إلى الخلق، ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرًا وأطيبهم نفسًا وأنعمهم قلبًا'؛ ولهذا كان الذكر الحسن الذي يعقب الإحسان بشارةً معجلةً للمؤمن، كما يدل عليه حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: 'تلك عاجل بشرى المؤمن'، أخرجه مسلم.
الثالثة: كما أن أداء العبادات والجري على العادات الحسنة من أسباب راحة النفس، فأضدادها من أسباب ضيق البال وتكدر الخاطر والقلق الدائم، فالإنسان يمكنه أن يتصرف بجوارحه كما يحلو له، لكنه لا يستطيع التخلص من الشعور بالذنب ولوْم الضمير له على ما يقصّر فيه، كما أنه يدرك أن التصرفات غير الملائمة شرعاً ونظاماً وعرفاً لا تخلو من تبعات ومن سوء نظرة إلى صاحبها، فهو دائم القلق ترقباً لما يناله من ذلك، فلا يخلو من التوتر حتى إنه أحياناً ينكشف حاله بسبب ضعف توازنه، كما قيل في المثل: (كاد المريب يقول: خذوني)، ومصداق ذلك حديث عن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله تعالى عنه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن البر والإثم فقال: 'البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس'، أخرجه مسلم.










































