اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٤ أب ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
الأردن ليس دولة فقيرة بالسياحة.
بل ربما يكون العكس تماماً.
نحن أمام بلد صغير جغرافياً، لكنه يملك على أرضه ما تبحث عنه دول بأكملها لتصنع منه صناعة سياحية: البتراء، وادي رم، البحر الميت، المغطس، جرش، أم قيس، المحميات الطبيعية، السياحة الدينية، والسياحة العلاجية والاستشفائية، فضلاً عن مئات المواقع الأثرية والتاريخية والطبيعية التي يمكن أن تشكل شبكة سياحية متكاملة لا مجرد وجهات منفردة.
ومع ذلك، ما زال السؤال قائماً:
ماذا فعلنا بكل هذه الثروة؟
لماذا ما زلنا نتعامل مع السياحة وكأنها مجموعة مواقع سياحية متناثرة، وليس اقتصاداً متكاملاً قادراً على خلق الوظائف وجذب الاستثمار وزيادة العملات الأجنبية وتنشيط المحافظات؟
لماذا نجح الأردن في الحفاظ على كنوزه السياحية إلى حد كبير، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويلها إلى صناعة سياحية تنافسية على مدار العام؟
وهنا لا بد من قول الكلام بصراحة:
لدينا بترول سياحي.. لكننا لم نحسن استخراج عوائده.
فالبترول الأردني ليس تحت الأرض.
إنه فوقها.
في صخور البتراء، وفي رمال وادي رم، وفي مياه البحر الميت، وفي ينابيع حمامات ماعين، وفي المواقع الدينية، وفي الطبيعة الأردنية، وفي تاريخ المدن والقرى، وفي السياحة العلاجية التي يمكن أن تكون واحدة من أهم روافع الاقتصاد الوطني.
لكن الثروة وحدها لا تصنع اقتصاداً.
الثروة تحتاج إلى تخطيط، وتسويق، واستثمار، ونقل، وفنادق، وتجارب سياحية، وربط إلكتروني، وطيران، وتشريعات، وبيئة أعمال، وعلامة سياحية وطنية واضحة.
وهنا تبدأ المشكلة.
فالزائر الذي يأتي إلى الأردن لا ينبغي أن يكون هدفنا أن يرى البتراء ثم يغادر.
السؤال الصحيح هو:
كيف نجعله يأتي إلى البتراء، ثم يبقى في الأردن أسبوعاً أو أسبوعين، وينتقل إلى وادي رم، ثم البحر الميت، ثم جرش وعجلون وأم قيس، ويزور مواقعنا الدينية، ويستفيد من السياحة العلاجية والاستشفائية، وينفق أمواله في المحافظات؟
هذه هي الصناعة السياحية.
أما أن نبيع له تذكرة دخول إلى موقع ثم نتركه يبحث وحده عن بقية التجربة، فنحن لا نستثمر الثروة؛ نحن فقط نفتح باباً أمامها.
والأغرب أن السياحة العلاجية والاستشفائية، التي يفترض أن تكون من أكثر القطاعات قدرة على جلب السائح ذي الإنفاق المرتفع والإقامة الطويلة، ما زالت بحاجة إلى رؤية أكثر تكاملاً.
الأردن يمتلك مستشفيات وكفاءات طبية، ويمتلك البحر الميت وحمامات ماعين ومقومات استشفائية وطبيعية، لكن أين المنتج السياحي المتكامل؟
أين الباقة التي تقول للمريض أو الزائر:
تعال إلى الأردن للعلاج، والإقامة، والاستشفاء، والاستجمام، والسياحة؟
أين الربط الحقيقي بين المستشفى والفندق وشركة السياحة وشركات الطيران والمواقع السياحية؟
وأين الحملة العالمية التي تجعل اسم الأردن حاضراً عندما يبحث شخص في آسيا أو أوروبا أو الخليج عن وجهة للعلاج والاستشفاء؟
المشكلة ليست في الأردن.
المشكلة في قدرتنا على تحويل الأردن إلى منتج.
لدينا مواقع ممتازة، لكن هل لدينا تجربة ممتازة؟
لدينا تاريخ، لكن هل لدينا قصة سياحية نعرف كيف نرويها للعالم؟
لدينا طبيعة، لكن هل لدينا منتج سياحي مبني عليها؟
لدينا مياه علاجية واستشفائية، لكن هل لدينا صناعة كاملة حولها؟
لدينا شباب يبحثون عن الوظائف، ولدينا محافظات تحتاج إلى التنمية، ولدينا قطاع يمكن أن يخلق فرصاً مباشرة وغير مباشرة، ومع ذلك ما زلنا نتعامل مع السياحة غالباً باعتبارها موسماً وإشغالاً فندقياً وعدد زوار.
وهذا غير كافٍ.
السياحة الحديثة ليست عدد الداخلين إلى البتراء.
إنها كم أنفق السائح؟ كم ليلة أقام؟ كم محافظة زار؟ كم فرصة عمل خلق؟ وكم ديناراً بقي داخل الاقتصاد الأردني؟
وهنا يجب أن نتوقف عند ظاهرة أكثر إزعاجاً:
كلما تغيرت الحكومات، تغيرت معها الأولويات والخطط والأسماء والشعارات، بينما تبقى الأسئلة الأساسية نفسها.
من يدير السياحة؟
السياحة ليست وزارة وحدها.
إنها الطيران والنقل والبلديات والثقافة والآثار والبيئة والاستثمار والعمل والخارجية والإعلام.
وإذا لم تعمل هذه المؤسسات بعقلية «صناعة سياحية واحدة»، فسنظل نمتلك عشرات الخطط المنفصلة التي لا تصنع منتجاً واحداً متكاملاً.
الأردن لا يحتاج إلى اكتشاف كنوزه من جديد.
العالم يعرف أن لدينا كنوزاً.
المطلوب أن يعرف العالم لماذا يجب أن يأتي إليها، وأن يعرف السائح لماذا يجب أن يبقى، وأن يعرف المستثمر كيف يضع أمواله، وأن تعرف المحافظات كيف تستفيد من تدفق الزوار.
وهنا ربما نحتاج إلى تغيير السؤال بالكامل.
بدلاً من أن نسأل:
كم سائحاً جاء إلى الأردن؟
يجب أن نسأل:
كم كان يمكن أن يأتي ولم يأتِ؟
وكم جاء وغادر بسرعة؟
وكم زار موقعاً واحداً ولم ننجح في إقناعه بزيارة خمسة مواقع أخرى؟
وكم مريضاً اختار دولة أخرى للعلاج لأن الأردن لم يقدم له المنتج المتكامل؟
وكم مستثمراً رأى الفرصة ثم تراجع لأن منظومة السياحة لم تكن واضحة بما يكفي؟
هذه ليست أسئلة ترف.
إنها أسئلة اقتصاد.
ففي بلد محدود الموارد الطبيعية، لا يجوز أن نتعامل مع السياحة كقطاع ثانوي.
السياحة يمكن أن تكون مورداً وطنياً استراتيجياً.
وإذا كان النفط ثروة تستخرج من باطن الأرض، فإن السياحة الأردنية ثروة جاهزة فوق الأرض.
لكن الفرق أن النفط يأتي معه نظام استخراج واستثمار وتسويق واضح.
أما نحن، فما زلنا نملك «البترول السياحي» ونختلف على طريقة استخراجه.
وهذا هو الفشل الذي يجب أن نعترف به قبل أن نبدأ بإصلاحه.
الأردن لا يحتاج إلى كنوز سياحية جديدة.. يحتاج إلى عقل جديد لاستثمار الكنوز التي يملكها.












































