اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ تموز ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
من أهمّ ما يحتاج الإنسان إليه في معاشه التوازن بين الراحة والسعي في أعماله، فهما مصلحتان لا غنى لأحدٍ عنهما، ولا يسوغ أن تُهمل إحداهما بالكلية إفراطًا في الأخرى، فلو كابر الإنسان الواقعَ وتجاهل حاجته في الراحة لخارت قواه، واختلت صحته، وانقطع عما يفعل، ولن ينتج شيئًا ذا بالٍ، وسيفوقه بمراحل من راعى توازن مصالحه..
من سماحة الشريعة ووسطيتها واعتدالها اهتمامها بالتوازن بين المصالح، بحيث لا تطغى مصلحةٌ على مصلحةٍ حتى تقضي عليها، ولا تهمل منفعة لحساب منفعةٍ أخرى بالكليّةِ، فمن المصالح ما لا يستغني أيُّ فردٍ عن أن يوازن بينها، فيشتغل بهذا حيناً ويشتغل بذلك حيناً آخر، ويراعي جزئيةً هناك وجزئيةً هناك، ومنها ما تتشعب فيه التخصصات والاهتمامات، فيتوجه الأمر بالتوازن بينها إلى الأمةِ بمجملها، وإلى أهل كل بلدٍ بخصوصهم، وذلك كفروض الكفاية المتعلقة بالمصالح العامَّة، من علومٍ شرعيةٍ وآلاتها والعلوم الدنيوية على اختلاف تخصصاتها، وكالحِرَف والصناعاتِ التي لا غنى عنها، فهذه لا يسع كل أحدٍ أن يمهر فيها، فكان ذلك مطلوباً كفائيّاً، ويكفي أن لا يتفق أهل بلدٍ على إهمال ما يحتاجون إليه من ذلك، لكن لا يعني كونه كفائيّاً أن يتطارحه الناس وينظرون إليه بعين الاتكاليّة، فقد ذكر العلماءُ أن الكافة لو أهملت هذا النوع من الواجباتِ لأثموا جميعاً، وأنه إذا لم يتهيأ له إلا واحدٌ تعيّن عليه، وهذا يجسِّد حرص الشرع على تكامل مصالح المجتمع، وحثها للإنسان على الاهتمام بكل ما فيه صلاح معاشه ومعاده، ولي مع توازن المصالح وقفات:
الأولى: من أهمية توازن المصالح أنه الحكمةُ وراء وجود بعض الآيات الكونيّة، فمنها ما كانت الحكمة منه أن يُعِينَ الناس على تنظيم شؤون حياتِهم، وأن يرتفقوا به في سبيل التوازن بين مصالحهم، ومن ذلك تعاقب الليل والنهار واليقظة والمنام، فقد قال تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)، وقال: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً)، فمن أهمِّ ما يحتاج الإنسان إليه في معاشه التوازن بين الراحةِ والسعيِ في أعمالِه، فهما مصلحتان لا غنى لأحدٍ عنهما، ولا يسوغ أن تُهمل إحداهما بالكلية إفراطاً في الأخرى، فلو كابر الإنسان الواقعَ وتجاهل حاجته في الراحة وظل يعمل أربعاً وعشرين ساعةً لخارت قواه، واختلت صحته، وانقطع عما يفعل، ولن ينتج شيئاً ذا بالٍ، وسيفوقه بمراحلَ من راعى توازن مصالحه، فكان يستريح حيناً ويعمل حيناً؛ ولهذا جعل الله تعالى الوقت قسمين: الليل والنهار، والليل مناسبٌ للراحة والسكون، والنهار مناسبٌ للعمل والدؤوب في أعمال الدنيا والآخرة، ولو أخلَّ الإنسانُ بهذا التوازن تمام الإخلال، فلم يقم في نهارٍ ولم يسكن في ليلٍ لتأثرت مصالحُه سلباً، ولتباين نشاطه مع أنشطة الناس ودواماتهم، ولأرهق جسده بتكليفه ما لا يلائم طبيعة البشر؛ ولهذا كره السهر لغير مصلحةٍ، ففي حديثِ أبي برزة الأسلميّ رضي الله تعالى عنه، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا»، متفقٌ عليه، وقد بيَّن العلماءُ أن هذا ليس مطلقاً، بل هو مقيدٌ؛ إذ يباحُ الحديث والسهر لما فيه مصلحة، أو طريق مَبَرّةٍ وخيرٍ، كالمسافر والعريس، والسمر مع الضيف، ومدارسة العلم، ونحو هذا من سُبُل الخير.
الثانية: كما وجدت الآياتُ الكونية لتعين على التوازن، جاءت النصوص الشرعيةُ لتؤكّده، وتجعله قاعدةً وسطيةً، ومن الأعمال الجليلة التي يكثر اختلال التوازن فيها إنفاق الأموال؛ ولهذا تكرر الأمر بضبطها بميزان الوسطية، فقال تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً)، وقال: (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً)، فقررت هاتان الآيتانِ مبدأ الوسطية في الإنفاق، فليس للإنسانِ أن يخلّ بالتوازن في التعامل مع المال، بل يحظر عليه الإسراف والتبذير، فهذا استهتارٌ بالنعمةِ، ولا يخلو من ظلمٍ للورثةِ وتعريضهم للحرج، كما يدل عليه ما رواه الشيخان عن حديث سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)، وبالمقابل يحظر عليه التقتير على من تلزمه نفقته من زوجةٍ وذريةٍ، فهذا تفريطٌ وظلمٌ، كما يحظر عليه الإفراط في الإمساك بمنع ما وجب في ماله من الزكاة، ويستهجن منه أن يضيق على أسرته، فيحرمهم مما جرت العادة ببذله لهم، كما يقبح منه البخل في المقام الذي يحمد فيه الجود.
الثالثة: التوازن بين المصالح جارٍ بين مصالحِ المعاد والمعاشِ، فالأمةُ مأمورةٌ بالتوازنِ بينهما، فلا يسوغ للإنسان أن ينشغل بمصالح المعاشِ عن مصالح المعاد، كما قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)، وكذلك لا يسوغ له أن يستغرق في نوافل العباداتِ حتى تضيع مصالح معاده، بما في ذلك راحة بدنه، فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» قُلْتُ: فُلاَنَةُ لاَ تَنَامُ بِاللَّيْلِ، فَذُكِرَ مِنْ صَلاَتِهَا، فَقَالَ: «مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»، متفقٌ عليه، بل مراعاة مصلحة المعاش عبادةٌ بذاتها إذا استصحبت النية، فالزواج مثلاً مأمورٌ به من أطاق تحملَ تكاليفِه، وإذا نوى به تطبيق الأمر الشرعي وإعفاف النفس وتكثير الأمةِ أثيب عليه، وليس للإنسانِ أن ينشغل عنه بالعبادةِ، فإنّ ذلك من الرهبانية التي لم تشرع لهذه الأمة.










































