اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
إلى كل أم، وإلى كل أب… قبل أن نسأل أنفسنا كيف أصبح بعض أبنائنا قساة القلوب، وكيف يمكن لطفل أن يكبر وفي داخله كل هذا الغضب والكراهية، علينا أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا: ماذا نزرع في قلوب أطفالنا؟ ومن يربيهم حقًا؟
محاربة التطرف لا تبدأ من الشوارع، ولا من المؤسسات الأمنية والفكرية وحدها، بل تبدأ من البيت، من حضن الأم، ومن مواقف الأب، ومن التفاصيل الصغيرة التي قد لا نلتفت إليها، لكنها تصنع شخصية الإنسان وتحدد علاقته بالحياة والآخرين.
تبدأ من أمٍّ رحيمة، لا تسمح لطفلها أن يركل قطة في الشارع، بل تعلمه أن يضع لها طعامًا وماءً. أمٌّ تغرس في أبنائها الرفق بالحيوان، وتعلمهم أن الرحمة لا تتجزأ، وأن من يقسو على مخلوق ضعيف قد يفقد شيئًا من إنسانيته. أمٌّ تربي أبناءها على احترام الغريب، ومساعدة المحتاج، والعطف على من لا يملك أن يرد لهم الجميل.
وتبدأ من أبٍ يعلم أبناءه أن القوة ليست في إيذاء الآخرين، وأن الرجولة ليست في رفع الصوت أو فرض الرأي، بل في ضبط النفس، واحترام المرأة، وحماية الضعيف، والاعتذار حين نخطئ. أبٌ إذا رأى ابنه يعتدي على طفل آخر لا يصفق له باعتبار أن هذه شجاعة، بل يأخذ بيده ويعلمه أن كرامة الآخرين ليست ساحة لإثبات القوة.
أيها الآباء والأمهات، انتبهوا! لقد تغير العالم من حولنا، ولم تعد التربية محصورة فيما يسمعه الطفل من والديه أو يتعلمه في مدرسته. هناك عالم كامل يسكن هواتف أبنائنا، يدخل غرفهم، ويخاطب عقولهم، ويؤثر في أفكارهم ومشاعرهم دون أن نعرف أحيانًا ماذا يشاهدون، ومن يؤثر فيهم، وما الرسائل التي يتلقونها.
لقد خطفت التكنولوجيا جزءًا كبيرًا من أوقات أطفالنا، وأصبح الهاتف رفيقهم الأول، والشاشة نافذتهم إلى عالم لا نعرف دائمًا ما يدور فيه. نمنحهم الأجهزة أحيانًا لنرتاح من أسئلتهم وحركتهم، ولا ندرك أننا قد نترك مساحة فارغة يأتي آخرون ليملؤوها بأفكارهم وقناعاتهم.
لا يكفي أن نسأل أبناءنا عن علامات المدرسة وواجباتهم، بل علينا أن نسألهم: ماذا تشاهدون؟ ماذا تفكرون؟ لماذا غضبتم؟ كيف تفهمون الاختلاف؟ وماذا تفعلون عندما يسيء إليكم أحد؟
اقتربوا من عقولهم قبل أن تبتعد عنكم، استمعوا إليهم دون أن تسخروا من أسئلتهم، ناقشوهم دون تخويف، وراقبوا محتواهم الرقمي دون أن تحولوا بيوتكم إلى ساحات من الصراع. فالطفل الذي يجد أذنًا صاغية في بيته، لا يبحث بالضرورة عن إجابات في الأماكن التي قد تستغل حيرته وضعفه.
إن التطرف لا يولد بالضرورة من لحظة واحدة، ولا يبدأ دائمًا بفكرة معلنة، فقد تنمو بذوره في بيئة لا تتقبل الاختلاف، أو في عقل لم يتعلم التفكير النقدي، أو في قلب لم يتذوق الرحمة، أو في طفل اعتاد أن يرى العنف وسيلة لحل الخلافات.
وليس كل طفل غاضب مشروع متطرف، وليس كل اختلاف في الرأي مؤشرًا على الانحراف، لكن مسؤوليتنا أن نمنح أبناءنا أدوات الفهم والحوار، وأن نحصّنهم بالوعي والإنسانية، حتى لا تتحول مشاعر الغضب أو العزلة أو البحث عن الانتماء إلى مدخل تستغله الأفكار المتطرفة.
أريد أن أقول لكل أم وأب: لا تكتفوا بتوفير الطعام والملبس والتعليم لأبنائكم، فهناك احتياجات لا تشتريها الأموال؛ أن يشعر الطفل بأنه محبوب، وأن يجد من يحتضن خوفه، ويحترم رأيه، ويعلمه أن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن الإنسان لا يُقاس بدينه أو لونه أو جنسيته أو أفكاره وحدها، بل بإنسانيته وأخلاقه واحترامه لحقوق الآخرين.
علموا أبناءكم أن الاختلاف سنة الحياة، وأن الحوار لا ينتقص من كرامة أحد، وأن التسامح ليس ضعفًا، وأن الرحمة لا تعني التنازل عن المبادئ، وأن الوطن يتسع للجميع، وأن الإنسان لا يحتاج إلى كراهية الآخرين حتى يثبت انتماءه.
ولنتذكر دائمًا أن أطفالنا لا يتعلمون مما نقوله لهم فقط، بل مما يرونه منا. فإذا طالبناهم باحترام الآخرين وهم يشاهدوننا نسخر منهم، وإذا دعوناهم إلى التسامح وهم يسمعوننا نمارس الكراهية، وإذا علمناهم الصدق وهم يروننا نبرر الخطأ، فإن سلوكنا سيهزم كل كلماتنا.
إننا لا نريد جيلًا يحفظ المعلومات فحسب، بل جيلًا يمتلك عقلًا يفكر، وقلبًا يرحم، وضميرًا يرفض الظلم، وشخصية تحترم الاختلاف.
فالتطرف لا نواجهه بالكلمات والشعارات وحدها، بل بالتربية الواعية، وبالأسرة المتماسكة، والمدرسة التي تبني الوعي، والإعلام المسؤول، ومجتمع يمنح أبناءه مساحة آمنة للسؤال والتفكير والتعبير.
وفي النهاية، أقول لكل أم وأب: راجعوا التربية قبل أن تراجعوا النتائج، واقتربوا من أبنائكم قبل أن تبحثوا عنهم في عالم لا تعرفون حدوده. لا تتركوا الشاشات تربيهم، ولا تسمحوا للغرباء أن يكونوا أقرب إلى عقولهم منكم.
فربما لا نستطيع أن نراقب كل ما يحدث في هذا العالم، لكننا نستطيع أن نزرع في أبنائنا بوصلة أخلاقية تهديهم حين يغيب عنا النظر إليهم.
فلنربِّ أبناءنا على أن يكونوا رحماء قبل أن يكونوا أقوياء، وإنسانيين قبل أن يكونوا متفوقين، وأن يحبوا الحياة والناس، لا أن يخافوا من الاختلاف أو يكرهوا من لا يشبههم.
فمن بيتٍ يتعلم فيه الطفل الرحمة، يبدأ مجتمع أكثر أمنًا، ومن قلبٍ تربى على المحبة، يصعب أن تجد الكراهية طريقها إليه.












































