اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
إن ما شهدته مدينة الكرك الأبية من أحداث دامية أودت بحياة أناس أبرياء وأصابت آخرين، يمثّل جرحاً عميقاً في قلب كل أردني، ومأساة إنسانية لا يمكن أن تمرّ دون أن تترك ألماً وحزناً في نفوس الجميع. إن استهداف الأبرياء وترويع الآمنين جريمة نكراء تتنافى مع كل القيم الإنسانية والأخلاقية، وتعكس فكراً متطرفاً لا يعرف الرحمة، ولا يحترم حق الإنسان في الحياة والأمان.
لقد كانت الكرك، وستبقى، مدينة العز والكرامة والشهامة، وواحدة من المدن الأردنية التي ارتبط اسمها بالتاريخ والبطولة والانتماء. ولن تستطيع أعمال العنف والإرهاب أن تنال من أصالة أهلها أو من وحدة الأردنيين وتماسكهم، فالأردن، بقيادته وشعبه، أقوى من كل محاولات بث الخوف والفرقة، وأكثر إصراراً على التمسك بقيم المحبة والتسامح والعيش المشترك.
وفي خضم هذا الألم، برزت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله إلى مدينة الكرك و إلى المستشفى للاطمئنان على المصابين والوقوف إلى جانبهم في محنتهم، وتقديم واجب العزاء إلى ذوي المتوفين، بوصفها موقفاً إنسانياً يحمل الكثير من المعاني والدلالات. فهي زيارة تعكس أهمية الوقوف إلى جانب أبناء الوطن في أوقات الشدة، ومشاركة العائلات آلامها وأحزانها، والتأكيد على أن المصاب الذي يصيب أسرة أردنية واحدة هو وجع يمسّ الوطن بأكمله.
وقد ترجل جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين ، حفظه الله، بزيّه العسكري الشامخ، الذي يحمل في رمزيته دلالات عميقة ورسائل متعددة، تستحضر معاني الواجب والانضباط والتضحية والانتماء للمؤسسة العسكرية والوطن. لم تكن هذه الإطلالة مجرد مظهر رسمي، بل حملت صورة القائد الذي يحرص على الوقوف إلى جانب أبناء شعبه في اللحظات الصعبة، ويتفقد المصابين، ويواسي أهل الضحايا، ويشارك أبناء وطنه ألمهم في مواجهة فاجعة أدمت القلوب.
إن الزي العسكري الذي ارتداه جلالة الملك يحمل رمزية وطنية خاصة، ترتبط بمعاني المسؤولية والولاء والوفاء للأردن، وتذكّر بأن حماية الوطن وصون أمنه واستقراره مسؤولية عظيمة تتطلب التضحية والإخلاص والثبات. وفي مثل هذه الظروف، تتجلى أهمية حضور القيادة بين الناس، والاستماع إلى آلامهم، ومواساتهم، والتأكيد على أن الدولة تقف إلى جانب مواطنيها في المحن كما تقف معهم في مختلف الظروف.
لقد حملت زيارة جلالة الملك رسالة تضامن ومواساة لأسر الضحايا، وأكدت أن دماء الأبرياء ليست أرقاماً تُذكر في الأخبار، بل هي أرواح عزيزة، وأحلام كانت تنتظر الغد، وعائلات تركها الفقد أمام ألم يصعب وصفه بالكلمات. كما أن الاطمئنان على المصابين يعكس أهمية رعايتهم والوقوف إلى جانبهم حتى يتجاوزوا آثار هذه المحنة، جسدياً ونفسياً.
وفي مواجهة هذه الجريمة، لا بد من التأكيد أن الإرهاب والتطرف لا دين لهما ولا أخلاق، وأن استباحة دماء الأبرياء لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة أو شعار. فالفكر التكفيري الذي يحرّض على العنف ويستبيح حياة الآخرين يشكّل خطراً على المجتمع بأسره، ويستهدف قيم التعايش والأمن والسلام التي يقوم عليها الوطن.
إن مواجهة هذا الفكر لا تكون بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل تتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة الاعتدال، ونشر قيم الرحمة والتسامح، وتعزيز الوعي الديني والوطني، وحماية الأجيال من الأفكار المتطرفة التي تحاول تشويه المعاني الإنسانية والدينية النبيلة. فالأوطان القوية هي التي تحمي أبناءها، وتصون كرامتهم، وتتمسك بالعدالة وسيادة القانون، ولا تسمح للعنف بأن يزرع الكراهية بين أفراد المجتمع.
وستبقى الكرك الأبية، بتاريخها المجيد وأهلها الكرام، جزءاً أصيلاً من وجدان الأردن وذاكرته الوطنية. ولن تزيد هذه المحنة الأردنيين إلا تمسكاً بوحدتهم، وإيماناً بقدرتهم على تجاوز الصعاب، ورفضاً لكل ما يهدد أمن الوطن واستقراره. فالأردنيون، على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، يجمعهم وطن واحد ومصير واحد، وتربطهم أواصر المحبة والتكافل والوقوف إلى جانب بعضهم بعضًا في أوقات الشدة.
إن المواقف الإنسانية في أوقات المحن تبقى راسخة في الذاكرة، لأنها تعبّر عن معاني المسؤولية والتضامن، وتمنح المتألمين شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة أحزانهم. ومن هنا، فإن زيارة جلالة الملك للمصابين وتعزية ذوي المتوفين تمثل مناسبة للتأكيد على أهمية التكاتف الوطني، والوقوف إلى جانب أسر الضحايا، وتقديم الدعم لكل من تضرر من هذه الأحداث الأليمة.
رحم الله الضحايا الذين فقدوا حياتهم، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم أهلهم وذويهم جميل الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء.
ستبقى الكرك الأبية شامخة، وسيبقى الأردن وطناً عصياً على الإرهاب، متماسكًا بقيادته وشعبه، ثابتاً على مبادئه وقيمه. وستظل وحدة الأردنيين وتكاتفهم أقوى من كل محاولات التطرف والعنف، وسيبقى الانتماء للوطن والحرص على أمنه واستقراره مسؤولية مشتركة يحملها الجميع.
حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني، وحفظ ولي عهده الأمين، وحمى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، ورحم شهداء الوطن، وأدام على الأردن نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وجعل أيامه القادمة أيام خير وسلام وطمأنينة.
عاش الأردن حراً عزيزًا آمنًا، وعاش أبناؤه إخوةً متحابين، يجمعهم الوطن وتوحدهم المحن، وتبقى رايته عالية خفّاقة.












































