اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. م. عصام أمان الله بخاري
قبل سنوات، وقت عملي كملحق ثقافي للمملكة في اليابان، جاءني من فريق العمل شخص برابط في منتدى لا يكتب فيه إلا شخصان أو ثلاثة، ومن الواضح أنهم أساتذة معهد لغة يابانية يتكلمون عني وعن الطلبات الكثيرة والمحاسبة على المخرجات والتقارير التي نطلبها عن المبتعثين السعوديين وخطط تأهيلهم للالتحاق بالجامعات. كان الحديث فيه بعض الإساءات تجاهي ولكن لم يتضمن أي مؤشرات للتقاعس أو التقصير في أداء المهام تجاه المبتعثين.
كان قراري واضحاً: لن أهدر وقتي وجهدي وفريق العمل للتحقيق ومطاردة معرفات مجهولة في صفحة مجهولة لا يطلع عليها أحد.. ومع ذلك كانت تتم مراقبة ما تتم كتابته في حال ما تطور الأمر ليتم اتخاذ الإجراء المناسب وقتها.
لم تكن مهمتنا أن نجعل الجميع راضين عنا، بل أن نضمن حصول المبتعثين على تعليم جيد وتأهيل يفتح لهم أبواب الجامعات. ولو انشغل فريق العمل بتلك الإساءات لنقلنا اهتمام الفريق من متابعة مستقبل الطلاب إلى الدفاع عن شخص المسؤول. وهذا انتصار للانفعال على المسؤولية، حتى لو انتهى الأمر باعتذار المسيئين أو عقابهم.. وتحضر هنا الحكمة المنسوبة إلى ابن المقفع: 'من لم يحتمل مضض الصبر، لم يدرك لذة الظفر'، فالصبر على الاستفزاز ليس عجزاً عن الرد، بل قدرة على ضبط النفس ورؤية الصورة الأكبر. وقد يكون السكوت الآن هو ما يحفظ لك وقتك ومكانتك وقدرتك على التصرف حين يصبح التدخل ضرورياً.
وفي معنى قريب من منطق ميكافيلي، قد يكون التنازل في الوقت الصحيح استثماراً سياسياً واجتماعياً، لا هزيمة. تتراجع عن الشكل لتحافظ على الجوهر، وتمنح الطرف الآخر مساحة تحفظ كرامته دون أن تتخلى عن هدفك. فليس كل تراجع خسارة، وبعض الانتصارات تبدأ بتراجع ذكي.
في الكثير من المواقف العملية والحياتية، قد تكون على حق، لكن ذلك لا يجعل كل مواجهة تخوضها صائبة. فقد تكسب النقاش وتخسر تعاون زميل، أو تنتزع اعتذاراً وتغلق باب شراكة، أو ترد على إساءة فتمنحها انتشاراً لم تكن تستحقه. السؤال ليس فقط: من المحق؟ بل أيضاً: ما الهدف والنتيجة التي نريد الوصول إليها؟
وقبل أي مواجهة، اسأل نفسك: ماذا سأكسب؟ وما تكلفة هذا المكسب من الوقت والجهد والعلاقات؟ وهل أدافع عن مصلحة حقيقية، أم عن رغبتي في أن تكون لي الكلمة الأخيرة؟ وهل الخسارة التي أخشاها تمس جوهر موقفي، أم مجرد صورتي أمام الآخرين؟
بالمقابل فالتنازل المحسوب لا يعني التفريط في المبادئ والقيم.. يمكنك أن تغيّر توقيت النقاش، أو تخفف نبرتك، أو تقبل تعديلاً في طريقة التنفيذ، دون التنازل عن جودة العمل وحقوق من تمثلهم. وبدلاً من محاصرة الآخر بعبارة 'أنت مخطئ'، يمكن القول: 'قد تكون محقاً من هذه الزاوية، لكن دعنا ننظر للموضوع من زاوية أخرى'، المطلوب أن تصل إلى القرار الأفضل، لا أن تنتزع اعترافاً بالهزيمة.
كما ينبغي التأكيد على أن التغافل لا يصلح حين تتحول الإساءة إلى تعطيل للعمل أو إضرار بالحقوق.. كما أنه لا يعني رفض النقد؛ فقد يأتي التنبيه إلى خطأ حقيقي بأسلوب لا يعجبنا، ولكن يمكن الاستفادة من مضمونه.
بكلمة أخرى؛ فالقوة ليست في سرعة الرد، بل في امتلاك قراره.. فمن يستجيب لكل استفزاز يترك للآخرين تحديد جدول أعماله، أما من يعرف أولوياته فيحفظ طاقته لما يستحق.
باختصار؛ في بعض الأحيان أعظم انتصار هو ألا تخوض المعركة أصلًا، فلا داعي لدخول معركة تكاليفها تزيد على مكاسب الانتصار فيها.. وتذكر أن الأسد لا يطارد الفئران!










































