اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
د. مقبل بن جديع
حين نتحدث عن استضافة المملكة لكأس العالم 2034، فمن الطبيعي أن يذهب الحديث إلى الملاعب والمدن والمباريات وملايين الزوار الذين سيأتون إلى المملكة، وإلى الصورة المبهرة التي نثق جميعاً بأن السعودية قادرة بإذن الله على تقديمها للعالم. لكنني أعتقد أن هناك سؤالاً أهم يجب أن نبدأ في طرحه من الآن: ماذا سيبقى لدينا بعد أن تنتهي آخر مباراة في كأس العالم؟ فالبطولات مهما كانت عظيمة تنتهي، والجماهير تغادر، والأضواء تنطفئ، لكن الدول التي تنظر إلى الرياضة باعتبارها صناعة واقتصاداً لا تقيس نجاحها فقط بما حدث خلال أسابيع البطولة، وإنما بما استطاعت بناءه قبلها، وما بقي لديها بعدها. ومن هنا أعتقد أن كأس العالم 2034 بالنسبة للسعودية لا يبدأ في عام 2034، بل يبدأ من اليوم.
أمامنا ثمانية أعوام تقريباً، وهي مدة كافية لبناء صناعة رياضية سعودية متكاملة إذا أحسنا استثمارها. والفرصة هنا أكبر بكثير من إنشاء الملاعب وتطوير البنية التحتية، فهي فرصة لبناء شركات سعودية قوية، وتأهيل كوادر وطنية، ونقل المعرفة والخبرات، وخلق تخصصات ووظائف جديدة، وبناء قطاع رياضي قادر مستقبلاً على المنافسة خارج المملكة. وخلال السنوات المقبلة ستحتاج المنظومة الرياضية إلى آلاف المتخصصين ومئات الشركات في مجالات إدارة المنشآت والفعاليات، والتسويق والرعاية، والتقنية الرياضية، وتجربة الجماهير، والضيافة، وإدارة الحشود، والمحتوى، والنقل والخدمات اللوجستية وغيرها. وهنا يأتي السؤال الأهم، كم نسبة الأعمال التي ستنفذها شركات سعودية؟ وكم شاباً وشابة سعوديين سيكتسبون خبرة حقيقية من خلالها؟ وكم شركة محلية ستخرج بعد 2034 وهي قادرة على المنافسة والعمل في البطولات والأحداث الرياضية حول العالم؟ وإجابة هذا السؤال هي في رأيي من أهم مؤشرات النجاح الحقيقي للاستضافة.
فالمملكة استثمرت خلال السنوات الماضية بشكل غير مسبوق في الرياضة، وأصبحت السعودية اليوم وجهة للعديد من البطولات والأحداث الرياضية العالمية، وهذا منجز كبير نفتخر به جميعاً، لكنني أعتقد أن المرحلة القادمة يجب أن تأخذنا إلى مستوى آخر؛ من استضافة الأحداث الرياضية العالمية إلى بناء صناعة سعودية قادرة على إنتاجها وتنظيمها وتشغيلها وتسويقها وتصدير خبراتها. وكل بطولة أو حدث رياضي تستضيفه المملكة خلال السنوات المقبلة ينبغي أن يكون فرصة عملية لتأهيل السعوديين ونقل المعرفة للشركات المحلية. وكل عقد كبير يمكن أن يكون أداة لبناء قدرات وطنية جديدة، وليس مجرد مشروع ينتهي بانتهاء الحدث. كما أن الجامعات ومراكز التدريب والقطاع الخاص أمامهم فرصة كبيرة، وربما مسؤولية أيضاً، للاستعداد مبكراً للتخصصات والوظائف التي سيحتاج إليها الاقتصاد الرياضي خلال السنوات القادمة. وأرى أن القطاع الخاص ينبغي أن يكون شريكاً رئيسياً في هذه الرحلة، لأن صناعة رياضية حقيقية ومستدامة لا يمكن أن تعتمد على الإنفاق الحكومي وحده، بل تحتاج إلى شركات قوية ومستثمرين ومنتجات وخدمات ونماذج أعمال تستطيع الاستمرار والنمو حتى بعد انتهاء البطولة. كل الأمنيات، ألا يأتي عام 2034 إلا ونحن جاهزون لتنظيم كأس العالم بأفضل شكل، يقود هذا العمل جيل سعودي يمتلك خبرات عالمية، وشركات سعودية قادرة على إدارة وتشغيل وتسويق أكبر الأحداث الرياضية العالمية. عندها نستطيع القول إننا لم نستضف كأس العالم فقط، بل استثمرنا هذه الفرصة لبناء صناعة رياضية سعودية حقيقية. فالإرث الحقيقي لكأس العالم لن يكون فيما نبنيه من أجل 2034، بل فيما سيبنيه السعوديون بعد 2034.










































