اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ نيسان ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
في مسح أجرته شركة غوغل على موظفيها ونشرته عام 2013، اتضح أن أهم سبع مهارات لنجاحهم فيها ليست تقنية وإنما إنسانية، وكانت تدور حول التواصل والتعاطف والتفكير النقدي، وأن خريجي العلوم الإنسانية في شركات التقنية الكبرى لديهم أمان وظيفي أعلى عند مقارنتهم بالمبرمجين، لأن المختص في الذكاء الاصطناعي يكتب الكود، ولكنه لا يتقن فن التفاوض والإقناع..
استعانت جامعة الملك سعود بمجموعة بوسطن الاستشارية، وذلك لصياغة خطتها الاستراتيجية وتطوير مسارات القبول فيها، بالإضافة إلى تعزيز كفاءتها التشغيلية، من خلال التركيز على التخصصات ذات المردود الاقتصادي، والمطلوبة في سوق العمل، وإلغاء أو إعادة صياغة التخصصات الإنسانية أو التي ترى أنها غير مجدية وظيفياً، والمجموعة الأميركية تعتبر واحدة من أكبر ثلاث شركات استشارية في العالم، وزنها الثقيل حفز الجامعة على الأخذ بتوصياتها، مع ملاحظة أن الجامعات في الوقت الحالي مستقلة، ووزارة التعليم تقوم بالإشراف عليها لا أكثر.
لهذا أعلنت الجامعة الأقدم سعوديا عن حزمة قرارات أكاديمية في 13 أبريل من العام الجاري، شملت إلغاء وإعادة هيكلة بعض التخصصات والبرامج الموجودة فيها، وطال الإلغاء كل برامج كلية علوم الأغذية والزراعة، ومجمل برامج كلية اللغات وعلومها، وبعض برامج كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وتحديدا اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع، والتحول إلى القبول المباشر بدون عام دراسي تحضيري، وما سبق أحدث جدلا واسعا على السوشال ميديا وفي الإعلام، شاركت فيه قامات أكاديمية وثقافية معروفة.
إلا أني أجد أن تصرف جامعة الملك سعود ليس شرا بالمطلق، ولي ملاحظات عليه سأذكرها في وقتها، وسأبدأ بالأمور الجيدة، وأبرزها يخص كلية الآداب والعلوم الإنسانية، والتي سيتم استحداث مسارات مهنية فيها، كإدارة الأرشيف الرقمي، أو التاريخ العام والسياحة، لربطها بسوق العمل، ومعها برامج نظم المعلومات الجغرافية وتحليل البيانات، والتركيز على تحويل التخصصات النظرية إلى دبلومات مهنية مكثفة، تمنح شهادات احترافية مطلوبة في مشاريع رؤية المملكة، مثل السياحة والآثار والترجمة الفورية، ومهارات كإدارة المحتوى، والاتصال المؤسسي، وبأسلوب يعزز فكرة دعم المعلومات النظرية بالمعارف التطبيقية، وأزيد عليها الترجمة واللغويات الحاسوبية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والإعلام الرقمي والإنتاج السينمائي، وإدارة الموارد الثقافية، القائمة على ربط تخصصات التاريخ والآثار بقطاعات السياحة وإدارة المتاحف، لخدمة مشاريع مثل العلا والدرعية، وتحويل علم الاجتماع النظري إلى خدمة اجتماعية ميدانية، يتم توظيفها في مسارات إرشادية ووقائية، وما قامت به الجامعة ليس جديدا، وتوجد على الأقل سابقة واحدة مشابهة.
ما قصدته هو جامعة ويسكونسن ستيفنزبوينت الأميركية، التي أعلنت في مارس 2018، عن خطة جذرية لإلغاء 13 تخصصاً في العلوم الإنسانية والاجتماعية، دخل فيها التاريخ والفلسفة والأدب الإنجليزي، واللغات الفرنسية والألمانية والإسبانية، وكانت تستهدف سد عجز مالي لديها، وذلك بتوجيه الموارد نحو تخصصات عليها طلب وظيفي مرتفع، مثل الأمن السيبراني والإدارة المالية، وتصرفها قوبل باعتراض طلابي، ونددت به أكثر من عشرين مؤسسة أكاديمية، معتبرة أنه يضر بجودة العملية التعليمية، والضغوط أدت إلى تراجع الجامعة عن قرارها في أبريل 2019، وقادتها إلى الاعترف بأن قيمة العلوم الإنسانية لا تقاس بالأرباح وحدها، فخريجوها يحتاجون إلى تطوير مهارات التفكير لديهم، لمواكبة تطلعات الشركات الكبرى، والسابق جعل الجامعات الأميركية تأخذ بحلول الدمج بدل الإيقاف أو الإلغاء، وأرى أنه الأنسب والأصلح، ومن الأمثلة الناجحة، جامعة ولاية أريزونا الأميركية، فقد بدأته في 2002، والنتيجة أن دمجها للعلوم الإنسانية بالمهارات الرقمية، أحدث نتائج أفضل من الإلغاء التام، ومكن هذه البرامج من استعادة جاذبيتها في سوق العمل.
أرقام تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2024، تشير إلى أن البطالة في علوم الحاسب وصلت لحوالي 7 %، بينما لم تتجاوز 5,3 % في التاريخ واللغات، وأظهرت دراسة لمعهد سياسات التعليم العالي في بريطانيا، نشرت في ذات العام، أن خريجي الفلسفة والآداب، في بريطانيا وأستراليا، يتجاوز دخلهم في منتصف مسارهم المهني خريجي إدارة الأعمال والمحاسبة، لأنهم ينتقلون إلى مناصب قيادية تعتمد على التفكير الاستراتيجي، وإذا كان المستهدف هو الوصول إلى بطالة صفرية، فإن تخصصات التمريض والعلوم الصحية، وبحسب تقرير لينكدإن لاتجاهات العمل في 2025، تضمن وظيفة فورية لخريجيها بنسبة 99 %، وبرواتب تتجاوز سنوياً الـ80 ألف دولار، في أميركا وأوروبا.
في مسح أجرته شركة غوغل على موظفيها ونشرته عام 2013، اتضح أن أهم سبع مهارات لنجاحهم فيها ليست تقنية وإنما إنسانية، وكانت تدور حول التواصل والتعاطف والتفكير النقدي، وأن خريجي العلوم الإنسانية في شركات التقنية الكبرى لديهم أمان وظيفي أعلى عند مقارنتهم بالمبرمجين، لأن المختص في الذكاء الاصطناعي يكتب الكود، ولكنه لا يتقن فن التفاوض والإقناع، وفي معهد ماساتشوستس للتقنية، يلزم كل طالب مهما كان تخصصه التقني على إتمام ثمانية مقررات في العلوم الإنسانية والاجتماعية والفنون حتي يستطيع التخرج، وهذا ليس ترفا أكاديميا، ولكنه ضرورة لمساعدته في تطوير ذكاء الآلة، والأهم أن ما أعلنته جامعة الملك سعود كان من بين توصيات مجلس شؤون الجامعات في المملكة، قبل أربعة أعوام، أو في يوليو 2022، بمعنى أنه يأتي ضمن خطة تم الاتفاق عليها بين الجامعات السعودية، لرفع كفاءة مخرجات التعليم، بما يتناسب واحتياجات سوق العمل، وفق أفضل الممارسات العالمية.










































