اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ أذار ٢٠٢٦
د. خالد رمضان
يشهد الذكاء الاصطناعي مرحلةً صينيةً بامتياز، حيث تطبق الصين جيداً تلك المقولة الشهيرة: «لا تنافس عدوك في قوته، بل نافسه في ملعبه الذي لم يتوقعه»، وباعتقادي، فإن التحركات الأخيرة من مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية تُشكك في هيمنة العمالقة الأميركيين كغوغل وأوبن إيه آي على سوق التكنولوجيا الفائقة، وإذا كانت أرقى النماذج وأذكاها صناعةً أميركيةً خالصة، فإن الصين اختارت ملعباً مختلفاً تماماً: تطبيقات رخيصة السعر، مما يحقق انتشاراً واسعاً، وتبعية للصين تتشكل في صمت كما تتشكل قطرات الماء في الصخر.
هذا التوجه لا يبدو وليد المصادفة، بل هو رؤية مُحكمة تنطلق من قناعة راسخة بأن الذكاء الاصطناعي محرك جديد لبناء صين عظمى في التصنيع والفضاء السيبراني، ورافعةً للتنمية الاقتصادية لا مثيل لها، وقد رسمت بكين لنفسها أفقاً طموحاً وهو أن تبلغ تقنياتها ذروتها العالمية بحلول عام 2030، لتغدو مركز الإشعاع الأول في خريطة الذكاء الاصطناعي على وجه الأرض، وليست التكلفة في هذه المعركة رقماً بارداً، بل هي العامل الأساسي الذي يُحدد من يتبنى الذكاء الاصطناعي أولاً، وأي النماذج تترسخ في عروق البرمجيات والخدمات.
وحتى لو ظلت الولايات المتحدة متفوقة في معظم المعايير التقنية، فإن المنتج الصيني الرخيص قادر على أن يُصبح ظاهرةً كونيةً حين يشيع استخدامه ويترسخ الاعتماد عليه، والأذكى في الأمر هو أن الصين لا تُقدّم تقنيتها للعالم بوصفها غنيمةً تجنيها وحدها، بل تُسوّقها في رداء إنساني أنيق تحت شعار خدمة البشرية جمعاء، وهذا في جوهره فن القوة الناعمة في أبهى تجلياته، وإذا انتشرت هذه الأنظمة الصينية الرخيصة على نطاق واسع، فبمقدورها أن تُعيد تشكيل عادات المطورين، وأذواق المبدعين، وولاءات المنصات، لا سيما في الأسواق غير الغربية التي تنشد أدوات بأسعار في المتناول، وقد لا تجد في الهيمنة التكنولوجية الأميركية ما يستحق التمسك به.
أما الديمقراطيات الليبرالية كالمملكة المتحدة وأستراليا وكندا، فسوف تجد نفسها أمام معضلة استراتيجية حقيقية؛ إذ لن يكون سهلاً الموازنة بين مخاوف أمنية مشروعة من التكنولوجيا الصينية، وبين تجنب العزلة التكنولوجية في عالم يتسع فيه انتشار هذه الأدوات يوماً بعد يوم، وفي المحصلة، ثمة سؤال يفرض نفسه بهدوء لكن بإلحاح: حين يختار العالم أدواته الرقمية، هل يختار التقنية الأمتن، أم السعر الأرخص؟ والتاريخ يُخبرنا أن الإجابة، في الغالب، لا تصبّ في مصلحة الأمتن، لهذا قلت لكم، إن الذكاء الاصطناعي يشهد مرحلةً صينيةً بامتياز.










































