اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - ليس من السهل أن تكون دولة بحجم الأردن في قلب إقليم تتحرك أزماته أسرع من نشرات الأخبار. من الغرب فلسطين وإسرائيل، ومن الشمال سوريا ولبنان، ومن الشرق العراق وما وراءه إيران، ومن الجنوب السعودية والبحر الأحمر، وفي الأفق حرب تتشابك فيها الصواريخ والمسيّرات والطاقة والممرات البحرية والمصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية والخليجية. هذه ليست جغرافيا يستطيع الأردن تغييرها، لكنها جغرافيا تفرض عليه أن يتحرك باستمرار حتى لا تتحول حروب الآخرين إلى حرب عليه.
من هنا يمكن قراءة النشاط الدبلوماسي المكثف لجلالة الملك عبدالله الثاني خلال الأيام الأخيرة. ففي باريس، ثم في براغ، ومع الاتصالات واللقاءات الإقليمية والدولية المتواصلة، ظل العنوان الأردني ثابتاً: وقف التصعيد، منع اتساع دائرة الحرب، احترام سيادة الدول، وحماية أمن الأردن ومواطنيه. وفي براغ، في 18 أيلول، دعا الملك المجتمع الدولي صراحة إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لاستعادة الاستقرار وتجنب توسع الصراع، بالتزامن مع تأكيد استمرار المملكة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها وسيادتها وسلامة مواطنيها.
هذه ليست دبلوماسية تبحث عن دور إعلامي في أزمة بعيدة. بالنسبة إلى الأردن، منع اتساع الحرب مصلحة وطنية مباشرة.
فكلما اتسعت رقعة المواجهة، تقل المسافة بين الجبهة والأردن، حتى وإن بقيت المملكة خارج العمليات العسكرية نفسها. وقد أثبتت أزمات المنطقة أن حدود الحرب الحديثة لا تتوقف عند حدود الدول المتحاربة؛ الصاروخ قد يعبر أجواء دولة ثالثة، واضطراب مضيق بعيد قد يرفع كلفة الطاقة والنقل، وإغلاق مسار جوي قد يربك الطيران والسياحة، والتوتر السياسي قد يؤجل استثماراً أو يرفع كلفة التأمين والشحن.
ولهذا فإن عبارة «الأردن ليس طرفاً في الحرب» لا تعني أن الأردن بعيد عن تداعياتها. ربما يكون التحدي الحقيقي هو كيف تبقى خارج الحرب بينما تصل آثارها إليك؟
معادلة أردنية: الدبلوماسية في الخارج والجاهزية في الداخل
يبدو المسار الأردني خلال هذه المرحلة قائماً على خطين متوازيين لا يتناقضان. الأول سياسي ودبلوماسي يسعى إلى خفض التصعيد ومنع تمدده، والثاني سيادي وأمني يؤكد أن حماية المملكة ليست موضوعاً قابلاً للمساومة.
فالملك عندما دعا من براغ إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية، وضع في التصريحات نفسها تأكيداً واضحاً على اتخاذ الأردن كل الإجراءات الضرورية لحماية أمنه وسيادته ومواطنيه.
وهذه ربما تكون خلاصة السياسة الأردنية في المرحلة الحالية: نعمل لمنع الحرب، لكننا نستعد لتداعياتها.
فالدبلوماسية لا تلغي الدفاع، والتهدئة لا تعني التخلي عن السيادة، وعدم الرغبة في أن تكون طرفاً في المواجهة لا يعني السماح بتحويل الأرض أو السماء الأردنية إلى مساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
لماذا باريس وبراغ؟
التحرك الملكي الأخير يقدم نموذجاً لطريقة بناء شبكة سياسية حول الموقف الأردني.
في باريس، بحث الملك والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التطورات الإقليمية، ودعا جلالته إلى تكثيف الجهود الدولية لاستعادة الهدوء، مع التأكيد على احترام سيادة الدول العربية وضمان أمنها. وفي الزيارة ذاتها وقع الأردن وفرنسا اتفاقية تعاون دفاعي توفر إطاراً أوسع للشراكة الدفاعية بين البلدين. كما أعلن ماكرون دعم فرنسا للإجراءات التي يتخذها الأردن لحماية أمنه وسلامة مواطنيه.
وفي باريس أيضاً، لم يقتصر التحرك على الملفات الأردنية المباشرة. فقد ترأس الملك والرئيسان الفرنسي واللبناني جولة جديدة من «اجتماعات العقبة» ركزت على دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالتزامن مع تأكيد ضرورة التوصل إلى تهدئة شاملة ومستدامة في المنطقة.
قد يبدو لبنان بعيداً عن الأردن جغرافياً، لكنه ليس بعيداً عن المعادلة السياسية التي تحاول عمان الدفاع عنها: تقوية الدولة ومؤسساتها ومنع اتساع الفراغ الذي تتحرك داخله الجماعات المسلحة والصراعات الإقليمية.
ثم انتقل الملك إلى براغ، حيث عاد الخطاب نفسه تقريباً: الحوار، القانون الدولي، السلام، الاستقرار، ومنع توسع الصراع.
وعندما تتكرر الرسالة نفسها في أكثر من عاصمة، فهي لا تعود موقفاً عابراً، بل تصبح سياسة.
لكن ماذا تستطيع الدبلوماسية الأردنية فعلاً؟
هنا يجب أن نكون واقعيين. الأردن لا يملك قرار الولايات المتحدة، ولا إيران، ولا إسرائيل، ولا الحوثيين، ولا يستطيع بمفرده فرض وقف حرب إقليمية تتداخل فيها مصالح قوى أكبر بكثير.
ولذلك لا ينبغي تحميل الدبلوماسية الأردنية ما لا تستطيع القيام به.
لكن الدول لا تقاس فقط بقدرتها على فرض النتائج. هناك قيمة سياسية كبيرة للقدرة على فتح الأبواب، وبناء المواقف المشتركة، والمحافظة على قنوات الاتصال، وحشد الدعم للمصالح الوطنية، ومحاولة زيادة الكلفة السياسية لأي توسع إضافي للحرب.
وقوة الأردن الدبلوماسية تاريخياً لا تأتي من أنه أكبر دول المنطقة عسكرياً أو اقتصادياً، بل من شبكة علاقاته وقدرته على الحديث مع عواصم مختلفة ومتناقضة المصالح.
وهذا يصبح أكثر أهمية عندما تتقلص مساحات الحوار.
الخطر لم يعد على حدود واحدة
التطورات الأخيرة في اليمن والبحر الأحمر تقدم مثالاً واضحاً على تحول الحرب المحلية إلى مشكلة إقليمية. تقدم الحوثيين باتجاه ساحل البحر الأحمر وباب المندب، والهجمات التي طالت السعودية، واضطراب مسارات الطاقة والملاحة، كلها رفعت مستوى القلق في الخليج والأسواق العالمية. وأشارت تقارير حديثة إلى أن التطورات قرب باب المندب تمنح الصراع تأثيراً يتجاوز اليمن والسعودية إلى حركة التجارة والطاقة الدولية.
وهنا يجب أن ينظر الأردن إلى الخريطة كاملة.
اضطراب البحر الأحمر يعني التجارة والشحن. توتر الخليج يعني الطاقة. حرب أوسع في لبنان تعني جبهة إضافية في المشرق. التصعيد في الضفة الغربية يمس ملفاً يعتبره الأردن قضية أمن قومي وسياسة خارجية في آن واحد. وأي اضطراب إضافي في سوريا أو العراق يقع مباشرة على حدود المملكة.
أي أن الأردن ليس أمام أزمة واحدة، بل أمام شبكة أزمات يمكن أن تتصل ببعضها في اللحظة الخطأ.
ولهذا تصبح مهمة السياسة الخارجية منع هذه النقاط من التحول إلى حريق واحد كبير.
الحرب التي لا نخوضها قد ندفع ثمنها
وهنا يجب نقل النقاش من السياسة إلى حياة المواطن.
قد يسأل الأردني: ما الذي يعنيني من اجتماع في باريس أو براغ؟
الإجابة تبدأ من الاقتصاد.
إذا ارتفعت كلفة النفط، يتأثر الاقتصاد. وإذا ارتفعت أجور الشحن والتأمين، تصل الزيادة إلى المستورد والسلعة. وإذا ارتبكت حركة الطيران بسبب المخاطر الأمنية، تتأثر السياحة. وإذا أصبحت صورة المنطقة في الخارج صورة حرب مفتوحة، فإن المستثمر والسائح لا يقرآن دائماً الحدود بالتفصيل الذي نقرأه نحن.
وقد انعكس التصعيد الأخير في المنطقة بالفعل على أسواق النفط والأسهم والملاحة، مع ارتفاع المخاوف من اضطراب مسارات الطاقة عبر هرمز والبحر الأحمر.
إذن عندما يحاول الأردن الدفع باتجاه التهدئة، فهو لا يدافع عن موقف سياسي مجرد.
إنه يدافع أيضاً عن اقتصاده.
الحفاظ على الأردن خارج الحرب لا يعني الحياد عن مصالحه
هناك فرق مهم يجب ألا يضيع.
أن يقول الأردن إنه لا يريد الانخراط في حرب إقليمية لا يعني أنه يقف بلا موقف أمام ما يمس سيادته أو مصالحه.
الموقف الرسمي الذي كرره الملك يقوم على احترام سيادة الدول والقانون الدولي، بالتوازي مع حماية أمن المملكة.
وهذه معادلة تحتاج إلى دقة كبيرة عندما تصبح السماء نفسها جزءاً من ساحة المواجهة.
فالأردن يريد منع اتساع الحرب، لكنه في الوقت نفسه يريد ألا تمتد الحرب إليه. يريد علاقات مستقرة مع محيطه، لكنه لا يستطيع قبول أن تتحول جغرافيته إلى جزء من حسابات الآخرين العسكرية.
ومن هنا تصبح السياسة الخارجية امتداداً للأمن الوطني، لا ملفاً منفصلاً عنه.
لماذا يجب أن تستمر الدبلوماسية حتى عندما تبدو الحرب أقوى؟
في لحظات التصعيد، تبدو الدبلوماسية أحياناً بطيئة وعاجزة أمام سرعة الصاروخ. لكن البديل عن الدبلوماسية ليس دائماً حلاً أفضل؛ غالباً هو المزيد من الحرب.
كل قناة اتصال تبقى مفتوحة قد تصبح لاحقاً طريقاً إلى تفاوض. وكل موقف دولي مشترك يمكن أن يرفع كلفة تجاوز القانون الدولي. وكل دولة إضافية تنضم إلى مطلب خفض التصعيد تزيد الضغط السياسي على الأطراف.
الدبلوماسية لا تستطيع ضمان النجاح، لكنها إحدى الأدوات القليلة المتاحة للدول التي تريد منع تحول التصعيد المحدود إلى حرب إقليمية واسعة.
ولهذا فإن استمرار الملك في التنقل والتواصل ليس مؤشراً على أن الأردن يعتقد أنه يستطيع وحده إنهاء الصراع، وإنما على إدراك أن ترك النار تتسع بلا محاولة لإطفائها أكثر خطراً من صعوبة محاولة إطفائها.
الأردن لا يستطيع تغيير الخريطة
هذه هي الحقيقة التي تختصر كل شيء.
الأردن لا يستطيع أن يختار موقعاً آخر بعيداً عن أزمات الشرق الأوسط. ولن يستطيع انتظار اليوم الذي تصبح فيه المنطقة هادئة تماماً حتى يبدأ العمل على اقتصاده وسياحته واستثماره ومستقبله.
لذلك فإن السياسة الأردنية مطالبة بالعمل في اتجاهين في اللحظة نفسها: حماية البلد من تداعيات اليوم، وعدم السماح لأزمات اليوم بأن تصادر الغد.
وهنا تظهر أهمية أن تكون الجبهة الداخلية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية متماسكة أيضاً. فالدبلوماسية تستطيع تخفيف بعض الأخطار الخارجية، لكن قدرة الدولة على تحمل الصدمات تعتمد في النهاية على قوة اقتصادها ومؤسساتها وثقة مواطنيها.
الملك يتحرك بين العواصم لمحاولة توسيع مساحة التهدئة، والقوات المسلحة والأجهزة المختصة تحمي أمن المملكة، وعلى الحكومة في الداخل مسؤولية لا تقل أهمية: حماية الاقتصاد وسلاسل التوريد والسياحة والاستثمار ومستوى معيشة المواطنين من فاتورة أزمة لم يصنعها الأردنيون.
فالنجاح الأردني في هذه المرحلة لن يقاس فقط بقدرته على القول إنه ليس طرفاً في الحرب.
بل بقدرته على البقاء فعلاً خارجها، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً قدر الإمكان.
وفي إقليم يشبه اليوم حزاماً من النار، قد لا تستطيع الدبلوماسية الأردنية وحدها إطفاء كل الحرائق، لكنها تستطيع أن تعمل بلا توقف كي لا تصل النيران إلى البيت الأردني.
وهذا، في جوهره، ما يجعل التحرك الملكي الحالي أكثر من سلسلة زيارات ولقاءات.
إنه محاولة مستمرة لحماية المسافة بين الأردن والحرب.
وفي هذه المنطقة، أصبحت المحافظة على تلك المسافة إنجازاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً بحد ذاته.












































