اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٥ أيلول ٢٠٢٦
ليست معاداة السامية تفصيلا عارضا في ركام الأيديولوجيات المتداعية بعضها فوق بعض، ذلك الركام الذي اتّفق لنا، قبل ربع قرن، أن نسمّيه «الممانعة» في تحوير لمفردة عكّز في الأصل عليها العلامة ابن خلدون في مقدمته، حين تطرق الى «الممانعة والمخاشنة» التي تظهرها عصبية مهمومة بدفع عوامل تخلّعها وتحلّلها.
وليست «ممانعة» القرن الحادي والعشرين، في واقع الأمر، أيديولوجيا بالحدّ الأدنى من النسقية الذي يقتضيه استحقاق هذا الوصف. إنها، بالأحرى، خليط من حواضر البيت الأيديولوجي من مخلّفات النصف الثاني من القرن الماضي: شيء من الخمينية، التي برع داريوش شايغان في الكشف عن تحويراتها لمقولات لينينية كانت قد شاعت قبل ذلك في الأيديولوجيات الشعبوية العالمثالثية «العلمانية»؛ وشيء من الناصرية والبعثية بعد أفولهما؛ مع مستحثّات يسار و-قومجية كانت، في ديارنا أصلًا، لاهية عن الاكتساب النظري والفكري، راضية منه بما لزم لتبجيل قائد أو للإغماض على حقيقة، بعيدة عن ذلك الأرق الملازم لتحصيل العلوم، ورصد تحوّلاتها وطفراتها، وكيفية شيوع الأفكار في النطاق الأوسع، وشروط ربط تحديات بلدان الشرق، العربي منه وغير العربي، بتحديات العصر وأزماته وتقلّباته، من غير إلغاء للفوارق بينها.
يختلف أصحاب مشتقّات «الممانعة» هذه حول الغيب وأصالة الروح وقِدَم المادة، وحول المرأة ووظيفة الأدب ونطاق الأمة، وحول الاقتصاد، وقبل ذلك حول الاشتراكية والسبيل إليها، قبل أن يسحبها اليساري من التداول ويجد في «مقاومة الهيمنة» ضالته النفيسة. ويختلفون أيضا في تصنيف الشهداء: من تتّسع له القائمة ومن تضيق عنه. يختلفون حول الموقف من الخميني، كون بعضهم لا يزال يحن إلى صدام حسين، وأقل حول الموقف من الخامنئي، كونه الوحيد الذي بقي بعد سقوط البعثيين. لكن ما جمع بينهم كان، في الغالب، طيفًا واسعا من نظريات المؤامرة، مقرونا باستطابة لمنطق «اللاحرب واللاسلم»، كما لو أنّه زمنٌ مستدام يتّسع لكلّ صاحب وَهْم لأن يلمَّ الرهطَ من ورائه، ثم ينادي على الملاحم، على افتراض أنه لن يظهر من محك كفيل بمحاصرة تورم هذه الأوهام.
وفي قلب هذا المخيال المؤامراتي وجدت معاداة السامية لنفسها موضعًا بالغ الملاءمة، وقابلًا دائمًا للمراوغة. ولم يكن المحكّ هنا مجرّد كراهية صريحة لليهود، ولا فقط إدانة الصهيونية بحد ذاتها أو توسيع معترك التصدي لسياسات إسرائيل، بل كان، قبل كل شيء، إنكار المحرقة النازية بحق يهود أوروبا أو التهوين من شأنها؛ أي رفض إدراك واقعة تاريخية مركزية لا لفهم أوروبا الحديثة فحسب، بل لفهم جانب أساسي من التكوين النفسي والسياسي والرمزي للمجتمع الإسرائيلي نفسه.
فمعاداة السامية، في صيغتها المؤامراتية الملازمة لها، تختصر العالم في فاعل خفيّ واحد، وتردّ تعقيد التاريخ والسياسة والاقتصاد إلى إرادة سرّية متماسكة. يصبح «اليهودي» في هذا الخطاب أقلَّ دلالةً على جماعة بشرية فعلية، وأكثر قابليةً للتحول إلى اسم رمزي للمال والإعلام والنفوذ والمؤامرة والانحلال «الأبشتيني» والهيمنة؛ أي إلى مستودع تُقذف فيه تناقضات عالم عجزت الأيديولوجيا عن تفسيره.
من هنا لم تكن معاداة السامية تفصيلًا عرضيًا في هذا الركام، بل إحدى أبرز المواد التي أمكن بفضلها لبقايا مذاهب متنافرة أن تقيم صلحها على بعضها البعض.
ولم يفضِ إنكار المحرقة أو التهوين من شأنها إلى عطب أخلاقي ومعرفي فحسب، بل إلى عجز فادح عن فهم أحد عناصر تماسك إسرائيل، على الرغم مما يعتمل فيها من تناقضات وانقسامات. جرى الاكتفاء، بدلًا من ذلك، بكليشيهات من قبيل أن إسرائيل «دولة لجيش»، ثم إن هذا الجيش نفسه «جبان» لأنه لا يمتلك «عقلية قتالية». أي صفرٌ تقريبًا من الفهم للتداخل المركّب بين القومي والميثولوجي-التاريخي والديني في مآلات الفكرة الإسرائيلية، وبين ذاكرة الاضطهاد الأوروبي ومشروع الاستيطان والسيادة والقوة، وما تداخل مع ذلك بالنتيجة من ذاكرات محتقنة ليهود المنطقة، وبخاصة المنتمين منهم الى الطبقات الفقيرة من المجتمعات المزراحية والسفاردية.
وبالتشابك جحدت الممانعة بالتعددية الدينية والإثنية في بلادنا نفسها، وأدمنت وصمها بأنها من اختلاقات الغريب وتلاعباته، أو مجرّد صناعة استعمارية، هذا قبل أن تعود في لحظة تالية وتصور نفسها بأنها ضنينة على هذه التعددية، بخاصة حين تشعر بأن أنسجة أكثرية في مجتمعات هذه المنطقة تنظر إليها كفئات ممانعة نظرة الحاق بالأقليات.
على أنّ صنفًا آخر، لا يقلّ رداءة، طَفِقَ في السنوات الأخيرة يُدرج في باب «الممانعة» كلَّ من لا يطيق الاكتفاء بترداد المقولة الكسولة القائلة إننا شعوب سيئة، وإن من الطبيعي، تبعًا لذلك، أن تُستباح كي ترتقي في مدارج التحضّر.
والحال أنّ الموقف من «الممانعة»، متى انطلق من عقل تاريخاني ونقدي في آن، لا بدّ أن يكون موقفًا أيضًا من هذه الـ«أنتي-ممانعة» التي غدت، في الآونة الأخيرة، تكشف، ببورنوغرافيا سياسية نافرة، عن انتمائها لا إلى الصهيونية فحسب، بل إلى فرعها اليميني التنقيحي، الممتد من زئيف جابوتنسكي إلى بنيامين نتنياهو. لا بل يلعب أهل الغش هؤلاء لعبة الابتزاز، بأنه لا يسعك أن تدير ظهرك لهم وتدحض الممانعة في وقت واحد. هذا مع أنه في ربع القرن الأخير لطالما أقام جزء غير يسير من هؤلاء في ديوانيات الممانعة.
كان جابوتنسكي أكثر صراحة من كثيرين. فالصهيونية، في تصوره، هي التي تحدد النطاق الجغرافي الذي تريده لدولتها، والهوية التي تريدها لهذه الدولة، ولا تنتظر من العرب موافقةً على ذلك. وهو ما يقود، في منطقه، إلى أولوية القوة: لا رهان على تفاهم تدريجي يفضي بالعرب إلى القبول بالمشروع الصهيوني، بل «جدار حديدي» من القوة يجعل مقاومته غير مجدية، إلى أن يبلغ الطرف المهزوم مرحلةً يقبل عندها بالتفاوض من داخل ميزان قوى جديد. جابوتنسكي، على الأقل، كان أقلّ رياءً من الخطاب الذي أحبّ يسارُ الحركة الصهيونية أن يحيط به المشروع نفسه. لقد قال بوضوح إن عرب البلاد لا يمكن أن يقبلوا، طوعًا أو بالمسايرة، مشروعًا يفضي إلى نزع السيطرة عن أرضهم؛ وإن هذا المشروع لن يتقدم إلا بقوة تجعلهم عاجزين عن منعه. كانت قسوته، بهذا المعنى، صريحةً في منطوقها.
أما «النتنياهويون العرب» فظاهرة أخرى. منهم من كان، إلى أمسه القريب، جروًا في هذه «الممانعة» أو تلك؛ ومنهم من لا يزال يتفجّع على أرييل شارون من سنين؛ ومنهم المتنقّل الهجّاء بين المحاور الإقليمية؛ ومنهم، أساسًا، من روّج يومًا لنظرية دمقرطة المنطقة عبر احتلال العراق، ثم استخلص، بعد ذلك، أو في أعقاب انتفاضات 2011 ومكابداتها، أن هذه المجتمعات لا تصلح للديمقراطية أصلًا: لا بالغزو ولا بالزرع. لكنها، في نظره، تصلح للغزو وحده؛ وعليها، فوق ذلك، أن تكون ممتنةً ولطيفةً وسعيدةً بحالها.
ويحسب هؤلاء أنفسهم «أذكى» من الممانعين الصرف: أذكى لأنهم التحقوا بالمهيمن الدولي بدل أن يتوهموا القدرة على منازلته؛ وأذكى لأنهم يؤمنون اليوم بأن في وسع إسرائيل أن تفرض، بنتيجة حروبها وبمؤازرة الولايات المتحدة، سلامًا هيمنيًا إسرائيليًا في الشرق الأوسط. وهم، بالطبع، أذكى ممن أخذته السكرة بفكرة إمبراطورية إيرانية ممتدة ذات أفق أممي، وأذكى ممن يستعجل أفول الهيمنة الأمريكية على العالم كما لو أنه حدثٌ وشيك يمكن ضبط موعده على ساعة الرغبات.
لكن الفارق بين الوهمين أقلّ مما يحب الطرفان الاعتراف به. كل منهما يفتري على «فلسفة التاريخ» بركاكة أن التاريخ من الآن فصاعدا سيمشي وفقا لمراده. هنا باتجاه السلام الإيراني، هناك باتجاه السلام الإسرائيلي. هذا يصيغ للميليشيات ملحمة، وذاك يصيغها لجيش الإبادة، وما أتفهها ملاحم. التصور الهزلي للتاريخ هو العنصر الذهني المشترك. الأنكى أن كل رهط يريد أن يشترط عليك بأن لا تقف في موقع متناصف بينه وبين خصمه المتخيل «ماذا وإلا». ماذا وإلا ماذا يا شاطر؟












































