اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
إبراهيم الوافي
«اذهب، لم أعد بحاجة إليك.. لقد انتهت اللعبة»!...
بهذه العبارة التي تختزل مأساة الإنسان حين يستحيل الوجود في وعيه إلى لعبة خاسرة، ودّع جوزيف غوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية، حارسه الشخصي، بعدما فرغ هو وزوجته «ماجدا» من ارتكاب واحدة من أبشع جرائم الأبوة والأمومة في التاريخ؛ إذ أُزهقت أرواح أطفالهما الستة بالسم، وهم نائمون في مخبأ هتلر، حتى بدا وكأن عليهما أن يقتلا المستقبل أولًا، قبل أن يذهبا إلى الموت الذي اختاراه لأنفسهما!
يا لهذه المفارقة المرعبة! كيف يتحوّل الحب إلى مقبرة، والأمومة إلى يدٍ تطفئ مصابيح الحياة، حين يستولي الوهم على الإنسان، فيغدو الموت عنده أكثر إقناعًا من النجاة، والهزيمة أكبر من أن يتسع لها ما تبقّى من عمره..!
تلك بعض الصور التي استعادتها ذاكرة «تراودل يونغه»، سكرتيرة هتلر الشابة، التي عاشت أدق تفاصيل النهاية، قبل أن تنجو من مخبأ الموت الذي تحوّل في أيامه الأخيرة إلى مقبرة تنتظر موتاها..! وقد استلهم الفيلم الألماني «السقوط» «عام «2004 شهادتها وشهادات تاريخية أخرى، ليعيد إلينا مشهدًا بالغ القسوة، حين صار الموت آخر الخيارات المتاحة للهروب من حقيقتها!
هناك، تحت أنقاض برلين، خلع التاريخ بزّته العسكرية، ليجلس بين المهزومين يستمع إلى أحاديثهم الأخيرة عن أسهل طرائق الانتحار، فيما كانت المدافع السوفيتية تقترب، والأوهام التي شيّدها هتلر على جماجم الملايين تتساقط واحدةً تلو الأخرى.. لم يعد أحد ينتظر نصرًا، ومع ذلك ظلّ الفوهرر يفاوض المستحيل، يعتقد أن التاريخ سيغيّر نهايته احترامًا لجنونه!
وحين أدرك أن العالم الذي أراد امتلاكه لم يعد يتسع حتى لجسده، اختار الانتحار في الثلاثين من أبريل 1945، مع زوجته إيفا براون، وأوصى بإحراق جثمانيهما، في محاولة أخيرة لحرمان أعدائه من مشهد انتصارهم عليه.
لكنّ أكثر ما يثير التأمل في تلك النهاية ليس موت الطاغية، وإنما ذلك الوهم الذي رافقه حتى اللحظة الأخيرة؛ إذ ظنّ أن بوسعه التحكم في صورته بعد الموت، بعدما عجز عن التحكم في مصيره وهو حيّ!
ولعلّ التاريخ لا يعرف سخريةً أشدّ من أن يهرب رجلٌ من هزيمته بالموت، بعدما جعل الموت قدرًا لملايين البشر، وأن يحاول الاختباء في الأسطورة، فيما كانت جرائمه تخرج من تحت الركام لتشهد عليه إلى الأبد.. لقد مات هتلر، وانتهت حربه، لكن السؤال الذي تركه خلفه لم يمت.. كيف يستطيع إنسان واحد أن يقنع أمةً كاملة بأن خلاصها يبدأ من خراب الآخرين؟!
ويا لفداحة التاريخ حين نكتشف أن أخطر ما يخلّفه الطغاة ليس المقابر التي حفروها، وإنما الأوهام التي تظلّ قادرةً على إنجاب مقابر جديدة!










































