اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ حزيران ٢٠٢٦
رؤى مصطفى
ليست كل القيم التي نراها في سلوك الكبار جاءت من كتب البروتوكول، ولا من دورات الإتيكيت، ولا من قاعات التدريب التي تعلم الناس كيف يقفون ويتحدثون ويصافحون، هناك أخلاق تتشكل في البيوت الأولى وتنمو في ظل الفطرة السليمة، وتظهر في المواقف العابرة قبل أن تظهر في المناسبات الرسمية.
أخبرتني إحدى الصديقات أنها تأخرت ذات مساء في العودة إلى المنزل بعد مناسبة اجتماعية، وكان في داخلها شيء من الحرج الذي يرافق التأخر، خصوصًا حين يكون في البيت كبار لهم مكانتهم وهيبتهم. وما إن دخلت حتى رأت جد زوجها في فناء المنزل، يسقي الزرع بهدوء ووقار، كان المشهد بسيطًا في ظاهره لكنه عميق في دلالته؛ فقد بدا كأنه رأى عودتها وأدرك ارتباكها لكنه اختار أن ينشغل بسقي الزرع، وأن يتصرف وكأنه لم ير شيئًا.
لم يلتفت التفاتة محرجة ولم يفتح باب سؤال أو عتاب ولم يمنح الموقف أكثر مما يحتمل. ظل يسقي الزرع بهدوء وكأن الماء الذي ينساب بين يديه كان يغسل الحرج قبل أن يتسع. وفي ذلك السلوك الهادئ تتجلى قيمة رفيعة لا ينتبه إليها كثيرون قيمة التغافل الجميل.
كثيرًا ما نختزل الأدب في العبارات المهذبة أو في ترتيب المجالس أو في معرفة قواعد السلوك الاجتماعي بينما الأدب في جوهره أعمق من ذلك، الأدب أن تعرف متى تتحدث ومتى تصمت، أن ترى ما قد يربك غيرك، ثم تختار أن تستره، أن تمتلك حق الملاحظة، لكنك تؤثر الرحمة على الإحراج، والذوق على الانتصار للنفس.
ذلك الجد لم يكن بحاجة إلى أن يشرح شيئًا، ولا أن يقدم درسًا مباشرًا في حسن التعامل، كان فعله كافيًا ليقول إن الرقي الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، فبعض الناس يربون من حولهم بصمتهم أكثر مما يربّي آخرون بكثرة الكلام، وبعض المواقف الصغيرة تكشف من معدن الإنسان ما لا تكشفه الخطب الطويلة.
إن التغافل في موضعه ليس ضعفًا، ولا غفلة، ولا عجزًا عن المواجهة بل هو خلق اجتماعي نبيل يدل على اتزان النفس ورحابة القلب، فليس كل ما يُرى يجب أن يُقال وليس كل موقف عابر يستحق أن يُحوّل إلى ملاحظة، وليس كل خطأ صغير يحتاج إلى محاسبة. أحيانًا يكون أجمل ما نقدمه للآخرين أن نمنحهم فرصة العبور من ارتباكهم دون أن نكسر شيئًا في دواخلهم.
لقد كان الجيل القديم في كثير من صوره، يحمل أدبًا فطريًا مدهشًا، لم يكن يستخدم مصطلحات معاصرة مثل «البروتوكول» و«الإتيكيت» و«الذكاء الاجتماعي»، لكنه كان يمارسها ببساطة نابعة من التربية والحياء ومراعاة الخاطر، كان يعرف أن للبيوت حرمة وللمشاعر حرمة وللكلمة وقتًا وللصمت مقامًا.
والحقيقة أن البروتوكول مهما بلغ من الدقة، يبقى سلوكًا خارجيًا ما لم يستند إلى قلب مهذب. قد يعلم الإنسان كيف يجلس في مجلس رسمي، وكيف يختار عباراته لكنه لا يمنحه بالضرورة عينًا رحيمة تعرف متى تتغافل، ولا نفسًا كريمة تحفظ كرامة الآخرين في لحظات الارتباك.
تكشف المواقف الصغيرة أحيانًا ما تعجز عنه الكلمات الطويلة. فليس الرقي في كثرة المعرفة بقواعد المجاملة ولا في حفظ تفاصيل البروتوكول بل في قلب يعرف كيف يراعي، وعين تعرف كيف تتغافل، ونفس تؤمن أن حفظ كرامة الإنسان من أجمل صور الأدب.
ويبقى ذلك المشهد البسيط شاهدًا على أن القيم الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان، وأن بعض الكبار يتركون في الذاكرة دروسًا لا تُنسى، لا لأنهم تحدثوا كثيرًا، بل لأنهم أحسنوا التصرف في لحظة كان الصمت فيها أبلغ من الكلام. ومن هنا ندرك أن الأدب الرفيع لا تصنعه القواعد وحدها، بل تصنعه الفطرة النقية حين تصقلها التربية ويضيئها احترام الإنسان للإنسان.










































