اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
الأنشطة التعليمية غير المرخصة تشوّه سوق العمل التعليمي المحلي، وتخلق منافسة غير عادلة للخريجين السعوديين المؤهلين وحاملي الرخص المهنية، وتؤدي لقصور معرفي يحصر التعليم في مسألة الحفظ والتلقين، ويبعده عن مهارات التفكير النقدي والتحليلي، وأتصور أن حل هذه الأزمة يحتاج إلى إجراءات بسيطة وفي المتناول..
بدأت في وزارة التعليم السعودية حملات رقابية مشددة لملاحقة من يمارسون التدريس الخاص بطرق غير نظامية، أو كما ورد في تقرير نشرته صحيفة الرياض، في بداية يناير من العام الجاري، وهذه الممارسات تحولت الى اقتصاد خفي، يقتطع جزءا مؤثرا من ميزانيات الأسر في المملكة، وتشير تقديرات هيئة الإحصاء المنشورة في عامي 2018 و2019، الى ان إنفاق الأسر السعودية على التعليم الفردي أو الجماعي الخاص ودروس التقوية يتجاوز 21.8 مليار ريال، أو ما يعادل 5.8 مليارات دولار، وان ما يصرف على الدروس الخصوصية التقليدية يقدر بحوالي 752.6 مليون ريال، او 200.6 مليون دولار، وأوضحت تقديرات سوق تقنيات التعليم العالمية، لمجموعة إيمارك، ان القطاع الرقمي للدروس الخصوصية المخالفة، وصل حجمه سعودياً الى تسعة مليارات ريال، او قرابة مليارين و400 مليون دولار، ومنصات التعليم الخاصة المشبوهة يشارك فيها 55% من الطلاب وأولياء الأمور، وتستحوذ على حصة كبيرة من الدخل الشهري لكل عائلة، وبالأخص في مواسم الاختبارات.
زيادة على السابق، ولضبط التوسع غير المرغوب، أصدر تعليم الرياض، على سبيل المثال، تعميما في مايو 2023 يلزم فيه المدارس بحوكمة الأسعار، وفتح مجموعات دعم أكاديمي، برسوم معقولة تبداً من 50 ريالا او 13 دولارا و30 سنتاً، ولا تزيد على 100 ريال أو 26 دولارا و60 سنتاً، لكسر الاحتكار الأجنبي المخالف، الذي يمثل تسربا ماليا يضر بالاقتصاد الوطني، ولايخضع لضريبة القيمة المضافة، او لرقابة الأجهزة المختصة، وفي المقابل، نجد ان بريطانيا، ووفق مؤسسة: ساتون ترست في فبراير 2026، تنفق على الدروس الخاصة تسعة مليارات و300 مليون ريال، او مليارين و500 مليون دولار، وفي انجلترا وويلز وحدهما، ويلجأ اليها 29% من إجمالي السكان في التعليم الثانوي البريطاني، ولكنها تدفع بمسمياتها، بواسطة قنوات رسمية مرخصة، وبإفصاح ضريبي ملزم للأشخاص.
اللافت ان سوق الدروس الخاصة، وخصوصاً ما ينفذ من خلال التطبيقات والمنصات غير المرخصة، يتفوق في حجمه على قطاعات خدمية كاملة، فهو يساوي أكثر من ثلاثة أضعاف ونصف رأس المال التأسيسي لبنك إس تي سي الرقمي، ويتجاوز القروض السنوية المعتمدة من صندوق التنمية الزراعي، بمقدار مليارين و530 مليون ريال، او 674 مليونا و600 ألف دولار، ويقتطع ما نسبته 3.45% من إجمالي الفاتورة التعليمية للأسرة، والإشكالية انه في معظم الأحيان لايأتي لمعالجة تعثر تعليمي، وإنما تحركه محفزات نفسية واستهلاكية، والدليل ما كشفته دراسة لجامعة الملك فيصل في 2019، ان ما نسبته 68.5% من أولياء الأمور يلجؤون الى الدروس الخاصة، نتيجة لرغبتهم في مجاراة المظاهر الاجتماعية، وحتى لايكونوا أقل من غيرهم، وما سبق يستثمر في السوشال ميديا قبل الاختبارات، عن طريق حملات إعلانية ممولة، تستهدف الاهتمامات السلوكية للأسر، وبطريقة تركز على مشاكل الطلاب المعرفية، وتحفز أولياء الأمور على شراء العروض التدريسية التي يتم تسويقها، وبشكل مندفع وبدون تفكير.
التعليم الفردي الخاص، او التدريس وجهاً لوجه، بدأ عند الإغريق في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد، او في حدود 450 قبل الميلاد، وكان الفيلسوف الإغريقي المعروف بروتاغوراس أول معلم خاص في التاريخ، ويمكن وصفه بأبي المعلمين الخصوصيين، والتعليم إجمالا لم يكن جماعيا في تلك الفترة، والأغنياء وحدهم كانوا يستفيدون منه، ومن الشواهد ان الملك فيليب الثاني المقدوني كلف ارسطو بتعليم ابنه الاسكندر المقدوني، وتطور أيام العباسيين من خلال نظام المؤدبين في القصور، ومن ثم تراجع في القرن التاسع عشر الميلادي بعد ظهور المدارس النظامية، وأصبح بمثابة أداء علاجي مؤقت لمن لديهم إخفاقات تعليمية، وفي هذه الأيام تحولت الظاهرة الى نمط حياة وقائي مستمر طوال العام، وانتقلت بشكل شبه كامل الى الانترنت والتطبيقات الذكية المتطورة، التي توفر خدمات الحجز والتقييم اللحظي، وتستخدم المحافظ الرقمية وبوابات الدفع الدولية المموهة، وتقوم بتسجيل المقابل التدريسي بمسميات تجارية بديلة مثل شراء برمجيات أو ألعاب، ويحدث ذلك بقصد التهرب من أنظمة الرصد الآلي للبنك المركزي السعودي.
رغم ما قيل فقد أثبتت أنظمة بعض الدول كفاءتها، وقدمت تجارب ملهمة في تجفيف مصادر اقتصاد الظل التعليمي، حيث فرضت كوريا الجنوبية في 2006 قانون حظر تجوال يمنع مراكز التدريس الخاص التجاري، ويسمونها: الغاغوون، من العمل بعد العاشرة مساءً، بجانب دعم منصة نظام البث التعليمي الحكومية: إي بي إس، لتقديم تقوية مجانية، وفي فرنسا، صدر عام 2005 قانون بورلو، المنظم لخدمات الدعم المدرسي والدروس المنزلية، والذي طور ليعطي الأسر ائتمانا ضريبيا فوريا، يستردون بموجبه 50% من خدمات المعلم المرخص، وقد ساهم هذا في القضاء على التدريس غير النظامي هناك، وفي المملكة بالإمكان الاستفادة من هذه الحوكمة، بتفعيل مسار تحفيزي، يربط المصاريف المدفوعة في مجموعات الدعم الأكاديمي الرسمية بخصومات على رسوم الخدمات الحكومية كالجوازات والمرور، وهذا سيجعل أولياء الأمور يقاطعون المعلمين المخالفين.
الأنشطة التعليمية غير المرخصة تشوه سوق العمل التعليمي المحلي، وتخلق منافسة غير عادلة للخريجين السعوديين المؤهلين وحاملي الرخص المهنية، وتؤدي لقصور معرفي يحصر التعليم في مسألة الحفظ والتلقين، ويبعده عن مهارات التفكير النقدي والتحليلي، وأتصور أن حل هذه الأزمة يحتاج إلى إجراءات بسيطة وفي المتناول، أبرزها، إقامة منصة وطنية باسم: ممارس تعليمي مستقل، وظيفتها تمكين المعلمين السعوديين من الجنسين، من تقديم حصص دعم مسائية مصرحة، وبما يضمن الإبقاء على الأموال داخل دورة الاقتصاد الوطني، بالإضافة لتفعيل ربط تقني لحظي بين وزارة التعليم والبنك المركزي السعودي: ساما، وابتكار خوازميات رصد آلي للمحافظ الرقمية، تعمل على حظر الحسابات الفردية التي تنشط الحوالات إليها، بصورة مكثفة ومتزامنة، ومن أولياء أمور متعددين، في فترات الاختبارات.










































