اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
طلحة الأنصاري
لم يخسر الجمهوريون الانتخابات النصفية لأن الأميركيين انشغلوا فجأة بتفاصيل الشرق الأوسط، وإنما لأن حربا بدأت بعيدا عنهم وصلت كلفتها إلى جيوب الناخب الأميركي.
نائب الرئيس الأميركي اختصر المشهد حين قال إن 'سبب خسارتنا هو الحرب'، وكشف أن ناخبين منحوا أصواتهم لترمب وفانس في 2024 انتقلوا إلى الديمقراطيين في 2026.
هذه العبارة تكفي لفهم ما حدث، حين ترتفع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، تتحول السياسة الخارجية إلى قضية داخلية، وحين تطول الحرب من دون تسوية، لا يسأل الناخب كثيرا عن خرائط النفوذ بقدر ما يسأل: من يدفع الثمن؟
الجمهوريون دفعوا الثمن سياسيا لأن الإدارة لم تنجح في منع إيران من تحويل الحرب إلى استنزاف اقتصادي ممتد.
طهران من جهتها لم تعتمد على جبهة واحدة، فمضيق هرمز بقي ورقة ضغط ثقيلة، وفي الجهة الأخرى أصبح الحوثيون قرب باب المندب أداة إضافية تهدد ممرا حيويا آخر للتجارة والطاقة، وهنا تحديدا تظهر مشكلة التراخي مع الحوثي.
واشنطن كانت تبحث عن مخرج من الحرب مع إيران، لكنها أبقت لطهران واحدة من أهم أوراق الضغط تعمل من دون حسم، فكل تهديد للملاحة في هرمز أو باب المندب يرفع كلفة التأمين والشحن والطاقة، وكل ارتفاع في هذه الكلفة يجد طريقه في النهاية إلى الأسواق والمستهلك الأميركي.
بهذا المعنى، لم يعد الحوثي مجرد ملف يمني بالنسبة إلى واشنطن، أصبح جزءا من معادلة الضغط الإيراني عليها.
ومع ذلك، انتقلت الولايات المتحدة إلى التفاوض المباشر معه، فقد اجتمع مسؤولون أميركيون بممثلين عن الحوثيين في مسقط، وأكد فانس وجود محادثات مباشرة، والمشكلة هنا ليست في الحوار بحد ذاته، وإنما في التفاوض بينما تبقى ورقة التهديد قائمة، فحين يتفاوض طرف وهو قادر على تعطيل ممر بحري دولي، يصبح هذا التهديد جزءا من قوته التفاوضية، وهذا بالضبط ما استفادت منه إيران.
كان يفترض أن تدخل واشنطن مفاوضاتها مع طهران بعد تقليص أدوات الضغط الإيرانية، لكنها دخلتها بينما ظل الحوثي قادرا على التأثير في باب المندب، وظل هرمز بدوره حاضرا في الحسابات؛ لذلك انتهت جولة الدوحة من دون اختراق، واستمرت إيران في رفع سقف شروطها المرتبطة بالمضيق وإنهاء الحرب، بعبارة أخرى، أرادت واشنطن تسوية مع إيران قبل أن تسحب منها أدوات الاستنزاف.
ولهذا لم يكن غريبا أن ترتفع أصوات جمهورية تطالب بمقاربة أشد، إذ دعا السيناتور ريك سكوت إلى العمل على تدمير الحوثيين، وطالب بيل هاغرتي برد أقوى، فيما دعا جون كينيدي إلى تشديد العقوبات ومواصلة الحصار.
وهذه المواقف تعكس خلافا حول إدارة المعركة أكثر مما تعكس خلافا حول طبيعة المشكلة، فترك الحوثي محتفظا بقدرته على تهديد الملاحة يعني إبقاء ورقة إضافية في يد طهران، وإطالة عمر الأزمة التي يريد ترمب نفسه إنهاءها.
والسياسة هنا لا ترحم التناقضات، إذ لا يمكن أن تطلب من إيران خفض سقف شروطها بينما يبقى حليفها ممسكا بورقة بحرية مؤثرة، ولا يمكن أن تعد الناخب الأميركي بإنهاء الحرب، ثم تترك الظروف التي تجعل استمرارها أكثر كلفة، ولا يمكن أن تتحدث عن الضغط الأقصى على طهران بينما تتعامل بهدوء مع أحد أهم أذرع الضغط التي تستخدمها.
في السياسة الأميركية، قد تبدأ الحرب في مكان بعيد، لكنها تنتهي دائما تقريبا عند صندوق الاقتراع إذا وصلت فاتورتها إلى المواطن، وهذا ما حدث مع الجمهوريين.
فشلت إدارة ترمب في إنهاء الحرب بالسرعة التي وعدوا بها، ولم يعزلوا الاقتصاد الأميركي عن آثارها، ولم يحرموا إيران من كل أدوات الضغط التي تساعدها على إطالة المواجهة، وعندما جاء موعد الانتخابات، لم يحتج الناخب إلى فهم تعقيدات هرمز وباب المندب ليعاقب الحزب الحاكم، كان يكفي أن يشعر بالكلفة.
والنتيجة أن إيران كسبت وقتا، والحرب ازدادت كلفة، والجمهوريون خسروا في الداخل.










































