اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أب ٢٠٢٦
سارة المعيذر
حين يحمل المكان رسالة ويصنع الاتفاق مستقبلاً وحديثاً.. فليست الاتفاقات الكبرى نصوصًا سياسية وقانونية فحسب، وليست مراسم التوقيع دائمًا مجرد بروتوكول يسبق تنفيذ البنود؛ ففي بعض اللحظات التاريخية يصبح الشكل جزءًا من المضمون، ويتحول اختيار الاسم والمكان والتوقيت والمشهد المصاحب للتوقيع إلى رسالة سياسية وحضارية متكاملة.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، بوصفه خطوة استثنائية في مسار التعاون بين ثلاث دول إسلامية تمتلك ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا معتبرًا.. فالاتفاق الذي وُقع في مكة المكرمة في 7 أغسطس 2026، يقوم في جوهره على تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي، وينص على اعتبار الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع. وهي صيغة تحمل دلالة استراتيجية واضحة: الانتقال بالعلاقات بين الدول الثلاث من دوائر التعاون التقليدي إلى مستوى أعمق من الالتزام المشترك بالأمن والاستقرار..
لكن قبل الوصول إلى مضمون الاتفاق، يلفت النظر المشهد نفسه؛ اتفاق مكة، وقصر الصفا، ويوم الجمعة، واجتماع القادة الثلاثة على الصلاة. وكأن الرسالة أرادت أن تقول إن الاتفاق لا يبدأ من المصالح وحدها، بل يستند كذلك إلى مساحة من القيم والروابط التاريخية والحضارية التي تجمع شعوب الدول الثلاث.. فالأسماء في السياسة ليست دائمًا عابرة.
وحين يحمل اتفاق دفاعي اسم مكة المكرمة، فإن الاسم يكتسب قوة رمزية استثنائية لدى المسلمين في أنحاء العالم.. فمكة ليست مدينة سياسية تقليدية، وإنما مركز روحي تتجه إليه قلوب المسلمين وقبلتهم في كل صلاة، ومنها انطلقت رسالة الإسلام التي قامت على قيم الوحدة والتعاون والسلام والدفاع عن الإنسان.
ومن هنا، فإن تسمية الاتفاق بـ'اتفاق مكة للدفاع المشترك' تمنحه بعدًا يتجاوز الوثيقة القانونية إلى رسالة معنوية تؤكد أهمية التضامن والمسؤولية المشتركة.. كما أن اختيار مكة للتوقيع يختلف عن النمط المعتاد للكثير من الاتفاقات السياسية والدولية السعودية التي تكون الرياض أو جدة مسرحًا طبيعيًا لها.. وبالتالي فإن نقل مراسم اتفاق بهذا الوزن إلى مكة المكرمة يستحق أن يُقرأ باعتباره اختيارًا يحمل دلالته الخاصة.. ولم يكن اختيار مكة وحدها هو اللافت، وهنا تصبح الجغرافيا جزءًا من الرسالة.. فحين يجتمع قادة ثلاث دول إسلامية كبرى في مكان يحمل هذه الرمزية، ثم يوقعون اتفاقًا يتعلق بالدفاع المشترك وحماية الأمن، فإن المشهد يضيف إلى النص المكتوب لغة سياسية أخرى لا تحتاج إلى كثير من الشرح.. إنها دبلوماسية الرمز بقدر ما هي دبلوماسية المصالح..
فالمشهد يقدم رسالة وحدة تتجاوز اختلاف اللغات والجغرافيا والمصالح الوطنية. فالسعودية وتركيا وباكستان ثلاث دول لكل منها سياستها ومؤسساتها وأولوياتها، لكن هناك مساحة حضارية وقيمية تستطيع أن تجمع بينها.. وهذه النقطة تحديدًا قد تكون إحدى أهم نقاط قوة الاتفاق مستقبلًا.. غير أن القيمة الحقيقية لأي اتفاق لا تتوقف عند رمزيته، مهما كانت قوية. ولذلك فإن مضمون اتفاق مكة هو العنصر الأكثر أهمية.. والمبدأ المحوري للاتفاق واضح: أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع.










































