اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
فهد الأحمري
لطالما ساد في أوساط المجتمع تساؤل يطل برأسه مع كل حراك سياسي أو تحول وطني: لماذا يهجر الكاتب صومعته الأدبية ليخوض في غمار السياسة الصلبة؟ وكيف يستقيم ميزان من نذر قلمه للجمال والبيان وينبري إلى فك شفرات المصالح والتحالفات؟
الإجابة لا تكمن في الرغبة في التغيير الوظيفي، بل في تلك العلاقة العضوية والتاريخية التي جعلت من الثقافة والسياسة وجهين لعملة واحدة هي 'الواقع الإنساني'. العلاقة بين الثقافة والسياسة ليست طارئة، بل هي علاقة وجودية؛ فالمثقف بطبعه ليس كائناً يعيش في فراغ، بل هو نتاج بيئة تشكل السياسة سقفها وجدرانها.
وإذا كان السياسي يتعامل مع السياسة الصلبة بلغة الأرقام، والإحصائيات، والمصالح الجافة، والمناورات الدبلوماسية التي تفتقر أحياناً للروح، فإن الكاتب يتناول ذات القضايا من زاوية القوة الناعمة التي تترجم أثر تلك الأرقام على خبز الناس وأحلامهم.
فالسياسي يبني الجسور بالأسمنت، والمثقف يبنيها بالمعنى؛ وحين يتقاطعان، يكتمل مشهد الوطن القوي.
غالباً ما ينظر إلى الكاتب والمثقف كصوت لضمير المجتمع، وهو المحامي الأول عن آمال الناس وآلامهم. لذا، فإن انكفاء الكاتب على ذاته أو ممارسة الحياد السلبي تجاه قضايا وطنه الكبرى ليس ترفعا، بل هو نوع من الهروب الأخلاقي.
فالكلمة التي لا تجد لها صدى في وجع الشارع هي كلمة منزوعة الدسم، والمثقف الذي ينعزل تماماً عن نبض السياسة يفقد بالتدريج اتصاله بواقع مجتمعه، ويتحول إلى تمثال من شمع في متحف التاريخ، لا يملك من أمره سوى الفرجة.
الفرق الجوهري يكمن في الأسلوب لا في القضية؛ فالسياسي يحلل الأزمة بمنطق الربح والخسارة الاستراتيجية، بينما يعيد الكاتب صياغتها من خلال تأثير القرارات السياسية على الفرد، متبعاً أسلوب التبسيط الذي ينفذ إلى القلوب والعقول.
الكاتب حين يكتب عن السياسة، فإنه يحول الأرقام الباردة إلى قصص إنسانية، والاتفاقيات الدولية إلى كرامة وطنية ملموسة. هو لا يمارس السياسة كمهنة للمناورة، بل يمارسها كرسالة للوعي.
علاوة على ذلك، فإن وجود المثقف في صلب القضايا السياسية الوطنية يمنح الخطاب الرسمي شرعية ثقافية وعمقاً إنسانياً، وفي ظل رؤية السعودية 2030، نجد أن التلاحم بين المثقف والتوجهات الوطنية أصبح ضرورة قصوى؛ فالدولة التي تطمح للريادة لا تحتاج إلى سياسيين محنكين فقط، بل تحتاج إلى كتاب يملكون البوصلة الثقافية التي توجه الرأي العام وتصنع الوعي الجمعي، وتدافع عن المكتسبات بلسان مبين وفكر مستنير.
انخراط المثقف في السياسة ليس تخلياً عن رداء الأدب، بل هو ذروة سنام الأدب؛ فالأدب الحقيقي هو الذي يسعى لتغيير الواقع للأجمل، والسياسة هي الميدان الذي تطبق فيه تلك التغييرات.
بصيرة:
سيبقى الكاتب حارساً للهوية ومبشراً بالمستقبل، وحين يخوض في السياسة، فإنه يفعل ذلك لكي لا تظل السياسة جافة، ولكيلا تظل الثقافة معزولة، إنها الشراكة المقدسة بين الفكر والقرار، ليبقى الوطن هو الرابح الأكبر في نهاية المطاف.










































