اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
من هيبة الدولة إلى الإصلاح الاجتماعي: هل آن الأوان لمراجعة نهجنا في مواجهة الجريمة والمخدرات والبطالة؟
ببالغ الغضب والاستنكار، نتابع الحادثة الإجرامية المؤسفة التي شهدتها العاصمة عمّان اليوم، والمتمثلة بالاعتداء على أحد رجال الأمن العام، في مشهد مرفوض ومدان بكل المقاييس، ولا يمكن التعامل معه باعتباره حادثاً عابراً أو سلوكاً فردياً عادياً.
إن الاعتداء على رجل الأمن الذي يؤدي واجبه في حماية المواطنين وصون أمنهم واستقرارهم هو اعتداء على هيبة الدولة وسيادة القانون، وتجاوز خطير لكل القيم الوطنية والأخلاقية. ومن هنا، فإننا نطالب بمحاسبة كل من يثبت تورطه، وتطبيق القانون بحزم ودون تهاون أو استثناء. فلا يجوز أن تتحول حياة رجال الأمن وسلامتهم إلى مجال للاستهتار أو الاعتداء، فهم أبناء هذا الوطن، ويؤدون واجبهم في حماية الجميع.
لكن، وبعيداً عن واجب الإدانة والمحاسبة، فإن هذه الحادثة تفرض علينا سؤالاً أكبر وأعمق: هل يكفي أن ندين ونلاحق ونعاقب، أم أن الوقت قد حان لنبحث بجدية عن الأسباب التي تجعل مثل هذه الحوادث تتكرر؟
لم تعد الحوادث المؤسفة التي نشهدها بين الحين والآخر في مجتمعنا الأردني مجرد أحداث عابرة يمكن التعامل معها ببيانات الاستنكار أو الإجراءات الأمنية المؤقتة، بل أصبحت تستدعي وقفة وطنية جادة، ومراجعة حقيقية لطريقة تعاملنا مع المشكلات الاجتماعية والأمنية والاقتصادية.
السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: كيف وقعت هذه الحوادث؟ بل الأهم: لماذا وقعت؟ وكيف وصل أصحابها إلى هذه المرحلة؟ وهل عالجنا الأسباب التي دفعتهم إلى ارتكاب هذه الأفعال، أم اكتفينا بالتعامل مع نتائجها؟
عندما نسمع عن حوادث اعتداء خطيرة، ثم نكتشف أن بعض المتورطين سبق أن دخلوا السجون وخرجوا منها، فإن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه: ما الذي يحدث داخل مؤسساتنا الإصلاحية؟ ولماذا نطلق عليها مراكز إصلاح وتأهيل إذا كان بعض من يخرج منها يعود إلى السلوك ذاته، وربما بصورة أكثر خطورة؟
إن السجن ليس مجرد مكان لتنفيذ العقوبة، بل يجب أن يكون مؤسسة لإعادة بناء الإنسان، وتأهيله نفسياً وسلوكياً ومهنياً، وإعداده للعودة إلى المجتمع مواطناً قادراً على الاندماج والإنتاج. فالعقوبة وحدها، دون إصلاح حقيقي، قد لا تحقق الغاية المرجوة منها. وهذا لا يعني التساهل مع الجريمة أو التخفيف من خطورتها، بل يعني أن تكون المحاسبة مقرونة بإصلاح حقيقي يمنع تكرارها.
والأمر لا يقل خطورة عندما نتحدث عن المخدرات، التي لم تعد مجرد قضية أمنية تتعلق بالضبط والملاحقة، بل أصبحت قضية مجتمعية واقتصادية وصحية، تتطلب استراتيجية متكاملة تبدأ من الوقاية والتوعية، مروراً بالعلاج والتأهيل، وصولاً إلى تجفيف منابع الترويج والاتجار، وملاحقة الشبكات التي تستغل الشباب وتدفعهم إلى هذا الطريق.
لكن هل يمكن أن نتحدث عن معالجة جذرية دون أن نتطرق إلى البطالة والفقر وانعدام الفرص؟ وهل يمكن أن نطالب الشباب بالابتعاد عن الانحراف دون أن نوفر لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة والأمل بالمستقبل؟
هنا أعتقد أن على الدولة أن تفكر خارج الأطر التقليدية، وأن تدرس تجارب الدول المتقدمة في الحماية الاجتماعية، وأن تبحث بجدية في إنشاء برنامج وطني يضمن دخلاً أساسياً أو دعماً مالياً انتقالياً للشباب العاطلين عن العمل الذين تنطبق عليهم شروط الاستحقاق، بحيث لا يُترك الشاب في مواجهة الحياة بلا دخل أو فرصة أو أفق واضح.
ولا أقصد بذلك تحويل الدعم إلى حالة اتكالية دائمة، وإنما إنشاء شبكة أمان مؤقتة ومنظمة، ترتبط بالتدريب المهني والتأهيل والبحث الجاد عن العمل، والمشاركة في برامج الخدمة المجتمعية والإنتاجية، وصولاً إلى تمكين الشاب من الاعتماد على نفسه.
قد يبدو هذا التوجه مكلفاً في ظاهره، لكن علينا أن ننظر إلى كلفته الحقيقية مقارنة بما تتحمله الدولة لاحقاً من نفقات السجون، ومكافحة المخدرات، والأجهزة الأمنية، والعلاج، والتبعات الاجتماعية والاقتصادية للجريمة والتفكك الأسري.
فالاستثمار في الوقاية والتعليم والتشغيل والتأهيل أقل كلفة، وأكثر استدامة، من دفع أثمان الانحراف والجريمة بعد وقوعهما.
إننا بحاجة إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل الاستباقي، ومن معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى منع نشوئها من الأساس. وهذا يتطلب تعاوناً حقيقياً بين المؤسسات الأمنية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية، ومراجعة فاعلية السياسات والبرامج القائمة، بعيداً عن الاكتفاء بالأرقام والتقارير الشكلية.
الدولة القوية ليست فقط التي تستطيع ضبط الجريمة ومعاقبة مرتكبيها، بل التي تستطيع بناء مجتمع تقل فيه دوافع الجريمة، وتتوفر فيه فرص الحياة الكريمة، ويجد فيه الشباب مكاناً لهم ومستقبلاً يستحقون أن يعملوا من أجله.
إن حماية المجتمع لا تبدأ من أبواب السجون، بل من المدرسة والأسرة وفرصة العمل والعدالة الاجتماعية. والإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد من دخلوا السجون، بل بعدد من خرجوا منها ولم يعودوا إليها، ولا بعدد القضايا التي عالجناها، بل بعدد المشكلات التي استطعنا منع حدوثها.
آن الأوان أن نعيد ترتيب أولوياتنا؛ فبدلاً من أن ندفع ثمن المشكلة بعد وقوعها، علينا أن نستثمر في منعها قبل أن تولد.
نريد دولة قوية في تطبيق القانون، وقوية بالقدر نفسه في معالجة الأسباب التي تدفع بعض أفراد المجتمع إلى الخروج عليه. نريد أمناً يحمي المواطن ورجل الأمن معاً، وعدالة لا تتهاون مع الجريمة، وسياسات اجتماعية واقتصادية تمنح الشباب الأمل والفرصة والقدرة على العيش بكرامة.
فالأوطان لا تُحمى بالعقوبات وحدها، ولا تُبنى بردود الأفعال، وإنما بسياسات تعالج جذور المشكلة، وتحفظ كرامة الإنسان، وتصنع له فرصة حقيقية في الحياة.
فالسؤال الذي يجب أن يبقى أمام صانع القرار: كم سننفق على معالجة الجريمة بعد وقوعها، وكم يمكن أن نوفر لو استثمرنا في منعها قبل وقوعها؟.












































