اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
الرياض - تركي المزقر
قبل أن تصبح دراسة الإنسان علمًا له مصطلحاته ونظرياته، كانت الحياة اليومية المصدر الأول لفهم الإنسان وتجربته في الحياة، منذ القدم راقب البشر مشاعرهم وعلاقاتهم وتغيراتهم، وحفظوا ما تعلموه من الأيام في الحكايات والأمثال والأشعار؛ لتبقى هذه التعبيرات ذاكرة تختصر خبرات أجيال كاملة.
ويظهر هذا الارتباط بين اللغة وتجربة الإنسان بوضوح في الشعر النبطي، الذي لم يكن مجرد تسجيل للمواقف، بل مساحة لقراءة المشاعر والتحولات التي يعيشها الفرد، واستطاع سعد بن جدلان أن يحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معانٍ تتجاوز اللحظة، من خلال تصوير طباع الناس ومواقفهم ونظرتهم للعالم.
ومن بين أبياته التي تختصر علاقة الفرد بما يمر به قوله:
«المعتبر يأخذ على الدنيا دروس من العبر
والناس يكسبها معاملها بقد عقولها»
يحمل بيت «سعد بن جدلان» رؤية واضحة للتجربة الاجتماعية للإنسان؛ فهو يتعلم من الأيام، فالأحداث لا تنتهي بانتهاء الموقف، بل تترك أثرًا يغير طريقة فهم الفرد لتجاربه ولعلاقاته مع من حوله، فالمعتبر هو من يقرأ ما يحدث، ويحول ما يعيشه إلى معرفة تساعده على التعامل مع الحياة.
ولا يقف معنى البيت عند الشطر الأول، بل يمتد إلى قوله: «والناس يكسبها معاملها بقد عقولها»، حيث يشير «ابن جدلان» إلى فهم الآخرين والتعامل معهم يرتبط بوعي الفرد وقدرته على قراءة الشخصيات من حوله؛ أي أن الإنسان يتعامل مع الآخرين بحسب فهمه لطبيعة شخصياتهم وقدرته على تقدير المواقف.
كما تتقاطع هذه الرؤية الشعرية مع بعض أفكار عالم النفس السويسري «كارل يونغ»، أحد أبرز مفكري علم النفس، وقد اهتم يونغ بدراسة العالم الداخلي للإنسان، وكيف تتشكل نظرته إلى ذاته والآخرين من خلال الخبرات والمعاني التي يحملها الإنسان بداخله.
ويرى يونغ أن الفرد لا يُختصر فيما يحدث له فقط، بل بالطريقة التي يفسر بها ما يمر به، فالموقف الواحد قد يصنع أثرًا مختلفًا بحسب الوعي وطريقة التعامل معه؛ وهو معنى يقترب من الصورة التي يقدمها سعد بن جدلان، فالإنسان لا ينضج بعدد السنوات، بل بما يكتسبه منها من فهم وخبرة.
وعلى الرغم من اختلاف أدوات الشعر وعلم النفس، فإن فكرة التعلم من التجربة لا تزال محل اهتمام الباحثين حتى اليوم، وفي دراسة أجراها الباحث «shih-ying Yang» من جامعة ناشيونال تشي نان في تايوان، ونُشرت عام «2017»، في إحدى المجلات العلمية المتخصصة في علم النفس، وشملت «375» مشاركًا، عن كيفية ارتباط الحكمة بالتجارب التي يمر بها الإنسان، وأظهرت نتائجها أن أكثر من نصف المشاركين رأوا أن التجارب التي مروا بها كانت سببًا في اكتسابهم مزيًدا من الحكمة، وتوضح النتيجة أن الخبرات اليومية لا تمثل أحداثًا عابرة، بل يمكن أن تتحول إلى مصدر للفهم والنضج وتطوير النظرة إلى الذات والآخرين، وهو معنى يلتقي مع رؤية سعد بن جدلان حين يجعل من العبرة المستخلصة من الأيام أساسًا لفهم الحياة والناس.
تلتقي الرؤية الشعرية مع القراءة النفسية عند محاولة فهم سلوك الإنسان؛ فالشعر يلتقط التفاصيل والمشاعر كما تظهر في الحياة اليومية، بينما يبحث علم النفس في الأسباب والدوافع التي تقف خلف هذه التصرفات، ليكشف كل منهما جانبًا من طريقة تشكل الشخصية.
ولا تتوقف أهمية الشعر الشعبي عند جمال التعبير، فهو أيضًا سجل للخبرات الإنسانية المتوارثة، فقد يحمل بيت واحد تجربة إنسانية كاملة، ويلخص موقفًا عاشه كثيرون، ولهذا بقي الشعر حاضرًا كوسيلة لحفظ ما لا تكتبه الكتب.










































