اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
حين يتعرض رجل أمن للاعتداء أثناء أداء واجبه، فإن المسألة لا تقف عند حدود ما أصابه شخصيًا؛ فهناك واجب عام يتصل بأمن المجتمع، وثقة الناس بالمؤسسات، واحترام القانون الذي ينظم حياة الجميع، ولهذا لا يجوز أن تمر مثل هذه الوقائع بلا مساءلة جادة، لكن الجدية الحقيقية لا تُقاس بارتفاع نبرة المطالبة بالعقوبة، وإنما بقدرة الدولة على الوصول إلى الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وإنفاذ القانون دون انتقائية أو تجاوز.
فالمساءلة ليست عبارة تُضاف إلى البيانات، ولا مطالبة انفعالية بأشد العقوبات قبل معرفة الوقائع، إنها مسار يبدأ بجمع الأدلة وفحصها، والاستماع إلى الشهادات، وتحديد الأفعال والمسؤوليات، ثم إحالة ما يثبت إلى القضاء ليقول كلمته باستقلال ونزاهة، ولا تكتسب العقوبة مشروعيتها من شدتها وحدها، بل من سلامة الإجراءات التي أفضت إليها، ومن ثبوت المسؤولية على من ارتكب الفعل، بذلك يشعر المجتمع أن حقه مصون، وأن القانون لا يخضع لضغط الغضب أو حسابات اللحظة.
وحماية رجال الأمن ليست امتيازًا مهنيًا، وإنما ضرورة لحماية النظام العام وتمكينهم من أداء واجباتهم، فالاعتداء على من يتولى إنفاذ القانون أثناء عمله يستوجب التعامل معه بالجدية التي يقتضيها الفعل، وفق الوصف الجرمي الذي تثبته التحقيقات والأدلة، غير أن المسؤولية لا تنتهي عند تحديد الفاعل وإنزال العقوبة به؛ إذ ينبغي، عند ظهور ما يستدعي ذلك، فحص الإجراءات المتصلة بالواقعة، وتحديد أي قصور إداري أو مهني، وتطوير وسائل الحماية والاستعداد، فالمحاسبة على ما وقع، والعمل على منع تكراره، مساران متكاملان لا يغني أحدهما عن الآخر.
وفي خضم المطالبة بالمساءلة، تبرز قاعدة لا يجوز تجاوزها: المسؤولية فردية، ولا تنتقل من مرتكب الفعل إلى أسرته أو مجتمعه أو جنسيته أو الفئة التي ينتمي إليها، فلا يجوز أن تتحول جريمة شخص إلى ذريعة للتعميم أو الانتقام أو المساس بأشخاص لم تثبت لهم صلة بها، إن تحميل الأبرياء تبعات أفعال غيرهم لا يحقق العدالة، بل يفتح بابًا للظلم والانقسام، ويضعف الثقة بالقانون الذي نطالب جميعًا بتطبيقه.
ومن حق ذوي الضحايا والمجتمع أن تُصان كرامة المتضررين، وأن تصلهم المعلومات التي يمكن إعلانها في الوقت المناسب، ضمن ما تسمح به مقتضيات التحقيق والقانون، فالتواصل الرسمي الواضح يحد من الشائعات ويمنع ترك المجال للتأويلات المتضاربة، وفي المقابل، فإن نشر تفاصيل غير مكتملة أو معلومات قد تؤثر في سلامة الإجراءات لا يخدم الحقيقة، المطلوب تواصل مسؤول يشرح ما يمكن توضيحه، ويحترم ما ينبغي التحفظ عليه، دون تضليل أو استعراض.
ولا تكتمل المساءلة إذا اقتصرت على الجانب الجنائي وأغفلت المسؤولية المؤسسية متى ثبت موجبها، فالمؤسسات مطالبة بأن تفحص ما يتصل بأدائها، وأن تتعامل مع أي خلل تؤكده الوقائع بوضوح، وأن تصحح الإجراءات دون حماية للمقصر أو تحميل المسؤولية لمن لم تثبت مسؤوليته، والاعتراف بوجود قصور، إن ثبت، ليس انتقاصًا من مكانة المؤسسة؛ إنما الإصرار على معالجته دليل على احترامها لواجبها وثقة المجتمع بها.
وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول الفضاء الرقمي إلى محكمة تصدر أحكامها قبل انتهاء التحقيق، أو إلى منبر للتحريض على أفراد أو جماعات، للمجتمع حق في المطالبة بالحقيقة والعدالة، وله أن يعبّر عن غضبه ورفضه للعنف، لكن هذا الحق لا يبرر التشهير أو التهديد أو الدعوة إلى العقاب خارج القانون، فالعدالة التي نطالب بها تفقد معناها إذا بدأنا بانتهاك قواعدها.
إن أمن الوطن مسؤولية لا تقبل التهاون، وصون كرامة رجال الأمن واجب، كما أن حماية حقوق الناس وضمان عدالة الإجراءات واجب لا يقل أهمية، ولا تعارض بين الأمرين؛ فالدولة القوية هي التي تحاسب من تثبت مسؤوليته، وتمنع الإفلات من العقاب، وتحمي الأبرياء من الاتهام والتعميم، وتراجع أي خلل يظهره التحقيق.
فحين يُمسّ أمن الوطن، لا تكون قوة الرد في اتساع دائرة العقاب، وإنما في دقة المساءلة: أن يصل القانون إلى المسؤول، وألا يظلم سواه.












































