اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - في السياسة هناك أدوار تتكامل ولا تتشابه. الملك يتحرك خارجياً لحماية موقع الأردن ومصالحه في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، والحكومة تتحمل في الداخل مسؤولية تحويل ما توفره هذه الحركة من علاقات وشراكات واستقرار إلى نتائج يلمسها الأردني في حياته. وبين المهمتين تتحدد اليوم واحدة من أهم معادلات الدولة الأردنية.
خلال الفترة الأخيرة، بدا النشاط الدبلوماسي لجلالة الملك عبدالله الثاني مكثفاً؛ من فرنسا والتشيك إلى نيويورك، مروراً بلقاءات مع قادة دول ورؤساء حكومات ومسؤولين دوليين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتركزت اللقاءات على أمن المنطقة، ووقف التصعيد، وغزة والضفة الغربية، والتطورات في سوريا ولبنان، إلى جانب تعزيز علاقات الأردن وشراكاته الدولية.
هذه الحركة ليست ترفاً دبلوماسياً بالنسبة إلى دولة مثل الأردن. ما يحدث حول المملكة يمكن أن يصل أثره سريعاً إلى حدودها واقتصادها ومياهها وتجارتها وسياحتها واستثماراتها. ولذلك فإن المحافظة على شبكة واسعة من العلاقات الدولية، وإبقاء الصوت الأردني حاضراً في مراكز القرار، يمثلان جزءاً أساسياً من حماية المصالح الوطنية.
لكن هنا تبدأ المهمة الأخرى، وربما الأكثر التصاقاً بحياة الناس.
فالسياسة الخارجية تستطيع أن تفتح الباب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني المصنع خلفه. تستطيع أن تؤسس علاقة استراتيجية، لكن تحويل هذه العلاقة إلى استثمار يحتاج إلى مؤسسات تنفيذية. ويمكنها أن تمنح الأردن حضوراً سياسياً، لكن تحويل هذا الحضور إلى فرص عمل وتجارة وتمويل ومشروعات يحتاج إلى حكومة تتحرك بالسرعة نفسها.
الدبلوماسية تفتح الأبواب.. والحكومة مطالبة بأن تدخل منها.
وهذه هي المسألة التي تستحق أن تكون في قلب النقاش الأردني الآن.
ليس المطلوب أن نكتفي بالاعتزاز بمكانة الأردن السياسية، على أهميتها، بل أن نسأل عن العائد الوطني المتراكم لهذه المكانة: كم استثماراً تستطيع علاقات المملكة أن تجذب؟ كم سوقاً جديداً يمكن فتحه أمام المنتج الأردني؟ كم مشروعاً يمكن تمويله؟ وكم فرصة يمكن خلقها للشباب؟
هذه ليست أسئلة تنتقص من الإنجاز الدبلوماسي، بل هي الطريقة التي يكتمل بها.
ففي النهاية، قوة السياسة الخارجية للدولة يفترض أن تمنح اقتصادها مساحة أوسع للحركة.
المواطن يعيش المشهد من زاوية مختلفة
المواطن الأردني يتابع أخبار المنطقة ويعرف حجم المخاطر المحيطة ببلده، لكنه عندما يغلق شاشة الأخبار يعود إلى حساباته اليومية: راتب، قسط، جامعة، نقل، غذاء، إيجار، فاتورة، وابن أو ابنة يبحثان عن فرصة عمل.
وهنا يجب أن نقرأ المشهد كما هو.
أحدث البيانات الرسمية تشير إلى أن البطالة بين الأردنيين بلغت 21 في المئة في الربع الثاني من عام 2026، رغم انخفاضها بمقدار محدود مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وراء هذه النسبة توجد قصة أكبر من الرقم.
هناك شاب درس سنوات وينتظر فرصة، وأسرة استثمرت في تعليم أبنائها، ومواطن يعمل لكنه يريد تحسين دخله، وموظف يريد خدمة حكومية أكثر كفاءة، ومحافظة تريد نصيباً أكبر من التنمية.
وهؤلاء لا يطلبون من السياسة الخارجية أن تحل مشكلاتهم مباشرة.
هذه مهمة الداخل.
وهنا يأتي امتحان الحكومة
لدى الحكومة اليوم برنامج تنفيذي واسع للأعوام 2026-2029، يتضمن مئات المشاريع والمبادرات في قطاعات اقتصادية وخدمية متعددة، إلى جانب مشروعات استثمارية وشراكات مع القطاع الخاص. وقد قال رئيس الوزراء عند إطلاق البرنامج إن رعاية الملك له تضع الحكومة أمام مسؤولية التنفيذ بما ينعكس إيجاباً على المواطنين.
وهذه العبارة هي بيت القصيد: ينعكس على المواطنين.
فالمواطن لن يقيس نجاح البرنامج بعدد صفحاته، ولا بعدد المبادرات التي يحملها، ولا حتى بحجم الأموال المعلنة وحده.
سيحكم عليه من النتيجة.
هل وجد ابنه وظيفة؟
هل تحسنت المدرسة؟
هل أصبحت الخدمة الحكومية أسرع؟
هل وصل الاستثمار إلى محافظته؟
هل توسع المصنع القريب منه؟
هل أصبح النقل أفضل؟
هل تحسن مستوى الرعاية الصحية؟
وهل أصبحت قدرته على بناء مستقبل أسرته أكبر؟
هذه هي المؤشرات التي تصل إلى الناس بلا حاجة إلى مؤتمر صحفي.
العلاقة الخارجية يجب أن تحمل معها ملفاً اقتصادياً
وربما نحتاج في المرحلة المقبلة إلى قاعدة بسيطة: كل علاقة سياسية قوية يجب أن يكون خلفها مسار اقتصادي قوي بالقدر نفسه.
عندما يزور الملك دولة، تبدأ مهمة الحكومة والقطاع الخاص قبل الزيارة ولا تنتهي بعدها.
نريد قوائم بالمشروعات الجاهزة.
فرصاً استثمارية مدروسة.
شركات أردنية تبحث عن أسواق.
قطاعات محددة نريد نقل التكنولوجيا إليها.
جامعات تبحث عن شراكات.
ومنتجات أردنية تريد دخول السوق التي نزورها.
عندها لا تبقى الزيارة حدثاً سياسياً ينتهي بانتهاء اللقاء، بل تبدأ بعدها دورة متابعة قد تستمر سنوات.
وهذا لا يعني اختزال الدبلوماسية بالمال والاستثمار، فهناك ملفات أمنية وسياسية وإنسانية لا تقاس بالدينار، لكنه يعني الاستفادة القصوى من رأس المال السياسي الذي بناه الأردن.
الحكومة لا تبدأ من الصفر
المهم هنا أن الدولة تمتلك بالفعل إطاراً اقتصادياً معلناً. البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي يتضمن 182 مبادرة موزعة على 25 قطاعاً من خلال 392 مشروعاً، وفق بيانات وزارة التخطيط عند إطلاقه، إلى جانب مشاريع في الصناعة والطاقة والمياه والسياحة والنقل والتعليم والصحة والاستثمار.
إذن المشكلة ليست أن نسأل: ماذا سنفعل؟
جزء كبير مما نريد فعله مكتوب بالفعل.
السؤال أصبح: بأي سرعة سننفذه؟
وهذه مرحلة مختلفة تماماً.
فالمرحلة الأولى من أي رؤية هي صياغة الهدف، أما المرحلة الأصعب فهي التنفيذ، لأن المواطن لا يعيش داخل الرؤية، بل داخل نتائجها.
لا نريد مسارين منفصلين
الخطأ أن نتعامل مع السياسة الخارجية والاقتصاد الداخلي كأنهما عالمان منفصلان.
الملك يتحرك في الخارج والحكومة تعمل في الداخل، لكن الهدف النهائي واحد: قوة الأردن.
والأردن القوي خارجياً يحتاج إلى اقتصاد قوي في الداخل، كما أن الاقتصاد القوي يحتاج إلى علاقات خارجية تحمي مصالحه وتفتح أمامه الأسواق والاستثمارات.
كل واحد منهما يغذي الآخر.
حتى موقف الأردن السياسي يصبح أكثر قوة عندما يقف خلفه اقتصاد منتج ومجتمع متماسك ومؤسسات فعالة.
والاستثمار نفسه يصبح أكثر جاذبية عندما يأتي إلى دولة مستقرة ولديها علاقات دولية واسعة وموقف سياسي يمكن توقعه.
لهذا فإن الربط بين المسارين ليس خياراً إضافياً، بل ضرورة.
الاستقرار الأردني يجب أن يتحول إلى عائد
الأردن دفع كثيراً للحفاظ على استقراره وسط منطقة لم تعرف الاستقرار طويلاً.
وهذا الاستقرار ليس مجرد غياب للفوضى.
إنه أصل اقتصادي.
المستثمر يبحث عن دولة يستطيع توقع قوانينها.
الشركة تبحث عن بيئة تستطيع تشغيل أعمالها منها.
رأس المال يبحث عن الأمن.
والتجارة تبحث عن ممر موثوق.
والشريك الدولي يريد دولة تحترم التزاماتها.
الأردن يمتلك جانباً مهماً من هذه العناصر، لكن المطلوب أن يصبح أكثر قدرة على تسويق الاستقرار كميزة اقتصادية.
إذا كان موقعنا الجغرافي يجعلنا قريبين من أزمات المنطقة، فإنه يجعلنا قريبين أيضاً من أسواقها.
العراق سوق.
الخليج سوق.
سوريا يمكن أن تحمل فرصاً اقتصادية متزايدة إذا استقر وضعها.
العقبة منفذ بحري.
والأردن يستطيع أن يؤدي دوراً أكبر في النقل والخدمات والصناعة والتكنولوجيا والتجارة إذا اكتملت المشاريع والبنية اللازمة لذلك.
الخارج لا يستطيع أن ينتظر الداخل
هناك أيضاً مسألة السرعة.
الدبلوماسية تعمل أحياناً بالساعات. أزمة تقع اليوم فتبدأ الاتصالات اليوم نفسه، ويتغير الموقف الإقليمي خلال أيام.
أما الإدارة والاقتصاد فقد يعملان بأشهر وسنوات.
وهنا تنشأ فجوة خطيرة.
إذا كانت المنطقة تتحرك بسرعة، فيجب أن يصبح الجهاز التنفيذي أكثر قدرة على استثمار الفرص قبل أن تنتقل إلى مكان آخر.
المستثمر الذي ينتظر طويلاً قد يذهب إلى دولة أخرى.
السوق التي تفتح اليوم قد يدخلها منافس غداً.
ومشروع الربط الذي نتأخر فيه قد يجد مساراً بديلاً.
لهذا فإن سرعة التنفيذ لم تعد مجرد قضية إدارية.
أصبحت ميزة تنافسية للدولة.
الملك يفتح مساحة الحركة
الملك يستطيع، من خلال شبكة العلاقات الأردنية، أن يمنح المملكة مساحة سياسية واسعة للحركة، وأن يحمل الموقف الأردني إلى المنابر الدولية، وأن يدافع عن مصالح المملكة، وأن يحذر من الأخطار التي تمس أمنها، وأن يفتح قنوات مع عواصم مختلفة.
وقد استخدم خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لتقديم رؤية أردنية تربط استقرار المنطقة بحقوق الفلسطينيين، وتحذر من اتساع المخاطر الإقليمية، وتتحدث في الوقت نفسه عن بناء الأردن لمستقبله وسط الأزمات.
لكن المساحة التي تفتحها الدبلوماسية تحتاج إلى من يملأها.
وهنا تأتي مسؤولية الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الاقتصادية.
من اللقاء إلى الاتفاق.
ومن الاتفاق إلى المشروع.
ومن المشروع إلى الوظيفة.
ومن الوظيفة إلى دخل الأسرة.
هذه السلسلة هي التي تجعل السياسة الخارجية تصل في النهاية إلى حياة المواطن.
المواطن لا يريد المستحيل
الأردني يعرف أن الحكومة لا تستطيع إنهاء البطالة بقرار، ولا مضاعفة الرواتب في ليلة، ولا تغيير الاقتصاد خلال عام.
لكنه يريد أن يشعر بالاتجاه.
أن يرى مشروعاً أعلن عنه ثم بدأ.
واستثماراً تم الحديث عنه ثم وصل.
وطريقاً وعد به ثم أنجز.
وخدمة قيل إنها ستتطور ثم أصبحت فعلاً أفضل.
الناس تستطيع أن تتحمل طول الطريق عندما ترى علامات واضحة بأنها تتحرك عليه.
أما المشكلة فتبدأ عندما تصبح المسافة بين الإعلان والنتيجة طويلة إلى درجة يفقد معها المواطن العلاقة بين الاثنين.
هذه لحظة التنفيذ
لعل أهم ما تحتاج إليه الحكومة اليوم ليس رؤية جديدة.
لدينا رؤية.
وليس برنامجاً جديداً.
لدينا برنامج.
وليس مزيداً من العناوين الكبرى.
لدينا ما يكفي منها.
ما نحتاجه هو أن تصبح كلمة «التنفيذ» العنوان الأكبر للمرحلة.
تنفيذ سريع، لكن ليس متسرعاً.
تنفيذ يمكن قياسه.
تنفيذ يعرف المواطن أين وصل.
وتنفيذ تكون نتيجته محسوسة في المحافظات، لا في العاصمة وحدها.
فهذه هي الطريقة التي يتحول بها الاستقرار السياسي إلى استقرار اجتماعي، والعلاقات الدولية إلى فرص اقتصادية، والخطط إلى حياة أفضل.
معادلة الدولة في المرحلة المقبلة
يمكن اختصار المشهد الأردني اليوم في صورتين.
في الصورة الأولى، ملك يتحرك بين العواصم والمنابر الدولية، يحمل ملفات الأردن والمنطقة، ويحاول حماية مصالح المملكة في بيئة سياسية شديدة التقلب.
وفي الصورة الثانية، مواطن في عمّان أو إربد أو الكرك أو الطفيلة أو المفرق ينتظر أن يرى نتيجة ملموسة في حياته.
بين الصورتين تقف الحكومة.
ومهمتها أن تبني الجسر.
فنجاح الأردن في الخارج لا يكتمل إلا عندما يصبح قوة إضافية للداخل، وقوة الداخل هي التي تمنح الدبلوماسية الأردنية ظهراً أكثر صلابة في الخارج.
لهذا فإن المعادلة ليست منافسة بين الملك والحكومة، ولا مقارنة بين السياسة الخارجية والداخلية.
إنها تقسيم للمسؤولية داخل مشروع وطني واحد.
الملك يحمي موقع الأردن ويفتح أمامه المساحات.
والحكومة مطالبة بأن تحول هذه المساحات إلى نمو وفرص وخدمات ونتائج.
وفي مرحلة تتغير فيها المنطقة بهذه السرعة، لم يعد أمامنا ترف الفصل بين الاثنين.
فالملك يتحرك في الخارج.. والحكومة أمام استحقاق الداخل.
والنجاح الحقيقي سيكون عندما ينظر الأردني إلى حضور بلده في العالم بفخر، ثم ينظر إلى حياته في الداخل فيجد أن قوة الأردن التي يراها في الخارج بدأت تصل إليه أيضاً.












































