اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
خالد بن علي المطرفي
القيمة النهائية لأي مشروع حضري ترتبط بما يغيره في حياة الناس، ولذلك فإن ما يستحق المتابعة خلال السنوات المقبلة هو الأثر الفعلي الذي سيتركه مشروع 'مثابة' بعد اكتماله من تحسين جودة المكان للسكان، مع رفع قدرته على استقبال الزوار، فضلًا عن تحقيق التوازن بين الجدوى الاستثمارية والوظيفة الاجتماعية للحي..
هناك من يعتقد أن تغيّر المدينة يرتبط بكثرة ما يُبنى فيها، لكن البناء وحده لا يصنع تحولها؛ فالتغيّر الحقيقي مرهون بقدرتها على جعل حياة الناس جزءًا من منطق تخطيطها، فعندما يجد الساكن طريقًا أسهل إلى منزله، وخدمة أقرب إليه، ومساحة تمنحه قدرًا من الراحة في يومه، يكون التطوير قد انتقل من إضافة المباني إلى تحسين الحياة التي تجري بينها.
وفي مكة المكرمة تكتسب هذه التفاصيل أهمية مضاعفة، فهي مدينة يُشارك أهلها طوال العام ملايين الحجاج والمعتمرين والزوار، ولذلك لا ينفصل تطوير أحيائها عن حياة السكان، كما لا ينفصل عن تحسين تجربة ضيوف الرحمن.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة مشروع 'مثابة' الذي أطلقته شركة ذاخر للتطوير بالشراكة مع البلاد المالية، وتحت إشراف الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، فالمشروع يُعتبر أول مخطط معتمد ضمن برامج الأحياء المطوّرة لتطوير الأحياء غير المنظمة في مكة، ويُمثل -بالتزامن مع بدء الأعمال فيه- خطوة تستحق التوقف عندها؛ لأنه ينقل التعامل مع هذه الأحياء من معالجة واقع قائم إلى بناء تصور أكثر وضوحًا للمكان، ووظائفه، واحتياجات سكانه وزواره.
يقع «مثابة» على بُعد 800 متر من المسجد الحرام، ويمتد على مساحة تبلغ 686 ألف متر مربع، ويضم 205 قطع استثمارية قابلة للتطوير، غير أن الوزن الحقيقي له لا يرتبط بهذه الأرقام وحدها؛ فالمساجد والحدائق والممشى الممتد عبره تعني في حياة الناس حركة أكثر سهولة، وخدمات أقرب، وبيئة أفضل للساكن والزائر، وربما تبدو هذه العناصر محدودة على الخريطة، لكنها في الواقع هي التي تحدد ما إذا كان الحي مكانًا مهيأً للحياة، أم عبارة عن مساحة يُطلب من الناس التكيف معها.
ومع طاقة استيعابية تُقدَّر بنحو 10 ملايين زائر سنويًا، تتضح أهمية المشروع في مدينة تتحمل أحياؤها ومرافقها جزءًا كبيرًا من مسؤولية استقبال ضيوف الرحمن؛ لأن التحدي في العاصمة المقدسة يمتد من زيادة القدرة الاستيعابية، إلى كيفية استيعاب هذه الحركة الكبيرة من دون أن تفقد الأحياء وظيفتها اليومية، أو تتحول احتياجات السكان إلى مسألة ثانوية أمام كثافة الزوار.
هنا تظهر أهمية النموذج الذي قام عليه 'مثابة'؛ فالهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة تتولى الإشراف، وشركة ذاخر للتطوير تقود أعمال التطوير، فيما أسهمت البلاد المالية في هيكلة النموذج الاستثماري ورأس المال، واستقطاب المستثمرين، وترتيب التمويل، ويقدم هذا التكامل صورة عملية عن طبيعة الشراكة التي تحتاج إليها مشروعات بهذا الحجم والتعقيد، من حيث الاعتماد والمخططات والتنفيذ على الأرض.
لكن القيمة النهائية لأي مشروع حضري ترتبط –كما ذكرت آنفًا- بما يغيره في حياة الناس، ولذلك فإن ما يستحق المتابعة خلال السنوات المقبلة هو الأثر الفعلي الذي سيتركه مشروع 'مثابة' بعد اكتماله من تحسين جودة المكان للسكان، مع رفع قدرته على استقبال الزوار، فضلًا عن تحقيق التوازن بين الجدوى الاستثمارية والوظيفة الاجتماعية للحي.
تجربة 'مثابة' ستقدم نموذجًا يمكن الاستفادة منه في أحياء أخرى من مكة المكرمة تنتظر نصيبها من التطوير، وعندها يكون المشروع اسمًا، وإنما مثابةً للناس، يجدون فيه أسباب الاستقرار والطمأنينة، وتصبح المدينة أقرب إلى أهلها وأكثر قدرة على احتضان زوارها.. ودمتم بخير.










































