اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
المغفور له بإذن الله: القاضي موسى الساكت منارة العدل والنزاهة
إن المدن العظيمة، كالسلط والكرك وإربد وسائر مدن الأردن التاريخية، لا تُقاس بحجارتها وحدها، ولا تُختزل في أسوارها وبيوتها وجبالها، وإنما تُقاس كذلك بقاماتها الشامخة، وبالأحرار والحرائر الذين أنجبتهم، فتركوا في تاريخها آثارًا لا تمحوها السنون وان حاول طمسها المافونون، وصاروا منارات أردنية يهتدي بها من تفرّقت به السبل، ويطمئن إليها من أعيته الحاجة وأرهقته نوائب الدهر، أو أثقله البحث عن العدالة والكرامة والإنصاف.
فالأوطان لا يصنع مجدها الحجر وحده، وإنما يصنعه الإنسان الذي يمنح الأرض قيمتها، والتاريخ معناه، والانتماء روحه والانجاز عظمته. وما أكثر المدن التي تتشابه في عمرانها، ولكنها تتمايز بما أنجبت من قامات، وما أودعته في وجدان أبنائها من قيم الشهامة والكرامة والإباء والوطنية والوفاء.
وحديثنا هنا عن مدينة السلط، العريقة المتجذّرة في تاريخ الأردن وهويته وذاكرته الوطنية وشرعيته التاريخية، التي تضرب جذورها في أعماق الزمن، وتحمل في جبالها وبيوتها القديمة وحجارتها الصفراء حكايات أجيال متعاقبة، وشواهد على تاريخ الإنسان والمكان منذ العصور القديمة إلى يومنا هذا. إنها مدينة تروي تاريخها بصمت حجارتها، وتحفظ في أزقتها وبيوتها ذاكرة الأجداد، وتختزن في وجدان أهلها إرثًا من الشهامة والأصالة والكرامة والانتماء.
السلط ليست مجرد مدينة على خارطة الأردن؛ إنها حكاية وطن، ومدرسة رجولة، ومنبت أصالة، وموطن رجال ونساء حملوا اسمها واسم الأردن إلى ميادين الدولة ومؤسساتها، وأسهموا في بناء الوطن ورفع رايته بما امتازوا به من كفاءة ووطنية وخلق وشرف وأنفة وكرامة وإخلاص.
ولعل للسلط خصوصيةً تستحق التأمل في قدرتها على إنجاب القامات الشامخة عبر الأجيال، وكأن في تربتها سرًّا خفيّا من أسرار العطاء، وفي تاريخها نداءً متجددًا يستنهض أبناءها وبناتها كي يكونوا أهلًا لما حمله الآباء والأجداد من أمانة ومسؤولية. وهي خصوصية لا تعني احتكار الفضائل، فالأردن كله منبت للرجال والنساء الأفذاذ، وإنما نعبّر هنا عن اعتزازنا بما قدّمته السلط، وما زالت تقدمه، من نماذج وطنية تركت بصماتها في تاريخ الدولة والمجتمع.
السلط في العصر الحديث… قامات شامخة لا تخطئها العين
وللسلط تاريخٌ ضاربٌ في أعماق الزمن، وجذورٌ موغلةٌ في صفحات الحضارة والإنسان، وقد فصلنا جوانب من هذا التاريخ في كتابنا *«مملكة بيريا وعاصمتها السلط المحروسة» *، توثيقًا لما نراه من مكانة هذه المدينة في ذاكرة الأردن التاريخية وهويته الحضارية.
وإذا كانت السلط قد سطّرت حضورها في صفحات التاريخ القديم، فإنها في العصر الأردني الحديث واصلت مسيرة العطاء، وأنجبت قاماتٍ وطنيةً شامخة في ميادين القيادة العسكرية والأمنية، والأدب والشعر، والقضاء والعمل العام؛ رجالًا ونساءً لا تخطئ العين أثرهم، ولا يجوز أن تمرّ سيرهم في الذاكرة الوطنية مرورًا عابرًا، فهم مناراتٌ مضيئة في سجل الأردن، وشواهد حيّة على ما تختزنه السلط من أصالةٍ وكفاءةٍ وكرامة، وما ترفد به الوطن من طاقاتٍ وقاماتٍ أسهمت في بناء مؤسساته، وصون مكانته، وإثراء تاريخه الحديث.
ففي الميدان العسكري، يبرز اسم *المغفور له المشير الركن فتحي أبو طالب*، أحد الأسماء التي ارتبطت بقيادة الجيش الأردني وتاريخه، واستحق مكانة رفيعة في ذاكرة الوطن . وهو أبرز القادة العسكريين الأردنيين في القرن العشرين، بما يمثله اسمه من حضور في تاريخ المؤسسة العسكرية الأردنية.
وفي الميدان الأمني، يسطع اسم *المرحوم اللواء الركن غازي عربيات*، الذي ارتبطت سيرته بالقيادة الأمنية وخدمة الأردن بإبداع وإخلاص، وهو أبرز من تولوا مسؤولية الأمن العام الأردني، مستذكرين ما مثّله من حضور وتطوير ومكانة في تاريخ الجهاز الأمني.
كما يبرز اسم *اللواء المرحوم علي أبو نوار، واسم **الفريق المرحوم علي الحياري*، ضمن الأسماء العسكرية الوطنية التي تستحق أن تُذكر عند استعراض القامات الأردنية التي أسهمت في مسيرة الدولة ومؤسساتها، وحملت مسؤولياتها في مراحل مختلفة من تاريخ الوطن.
وفي الميدان المدني والثقافي والأدبي، فحدّث ولا حرج؛ فالسلط لم تكن مدينة السلاح والإدارة وحدهما، وإنما كانت كذلك مدينة الفكر والشعر والكلمة الحرة والوجدان الوطني.
ومن أبنائها الشاعر المبدع **محمد عطيات الذي يمثل وجدان الوطنيين والاحرار . كما نستذكر الشاعر المرحوم عبد الفتاح حياصات، بما يمثله من حضور في الذاكرة الأدبية والثقافية لأبناء السلط.
رحم الله هؤلاء الرجال جميعًا، وجزاهم عن الأردن وأهله خير الجزاء، فقد تعددت ميادين عطائهم، واختلفت اختصاصاتهم، لكنهم اجتمعوا في سجل مدينةٍ تعتز بأبنائها، وفي ذاكرة وطنٍ يقدّر كل من خدمه بإخلاص، وأسهم في بناء مؤسساته، ورفع رايته بين الأمم. وستظل سيرتهم شاهدًا على أن الرجال الذين تصنعهم المواقف، وتخلّدهم الأعمال، لا تطوي صفحاتهم السنون، ولا تنال من مكانتهم محاولات التجاهل أو التهميش؛ فالحقيقة قد يُحجب نورها حينًا، وقد يتأخر إنصاف أصحابها، لكنها لا تُمحى، ولا يستطيع الإقصاء أن يسترها إلى الأبد.
*فللشمس موعدٌ مع الشروق، مهما طال الليل، وللحق ساعةٌ يتجلّى فيها، مهما امتدّ الظلام؛ وحين تنبلج الحقيقة، تستعيد القامات مكانتها، وينال أصحاب الفضل حقهم في الذاكرة والإنصاف، ويعلم الجميع أن تاريخ الأوطان لا يُكتب بالتجاهل، بل بما يتركه الرجال من آثارٍ ومواقفَ لا يمحوها الزمن.
وما استحضار هذه الأسماء إلا تأكيدٌ على أن السلط لم تُنجب لونًا واحدًا من العطاء، بل رفدت الأردن برجالٍ شامخين في ميادين الجيش والأمن والأدب والقضاء وسائر مجالات الحياة، فكان لكلٍّ منهم ميدانه، ولكلٍّ بصمته، وللجميع مكانتهم في سجل الوطن وذاكرته.
وهكذا يظل تاريخ السلط الحديث امتدادًا طبيعيًا لتاريخها العريق، وتبقى سير أبنائها وبناتها أمانةً في أعناقنا، تستحق التوثيق والإنصاف، كي تبقى مناراتهم حاضرةً في وجدان الأجيال، وكي يعرف الأبناء أن الأمم التي تحفظ سير رجالها ونسائها إنما تحفظ جزءًا أصيلًا من هويتها وكرامتها وتاريخها.
ولئن كان المقام أوسع من أن يستوعب جميع منارات السلط، لكثرة قاماتها وتنوع ميادين عطائها، فإننا نختار في هذا المقال قامةً قضائيةً شامخة، ورجلًا ترك اسمه أثرًا في الذاكرة القضائية الأردنية، واقترن ذكره بمعاني النزاهة والاستقامة والأمانة والعدالة؛ إنه *القاضي المغفور له موسى الساكت، رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته*.
نختاره لا لأن منارات السلط تُحصى برجلٍ واحد، بل لأن لكل قامةٍ حقًّا في أن تُروى سيرتها، ولكل ميدانٍ رجاله الذين يستحقون الوفاء، ولأن القضاء، بما يحمله من أمانة الفصل في الحقوق وصون كرامة الإنسان، يحتاج دائمًا إلى استحضار النماذج التي جعلت من العدالة رسالةً، ومن النزاهة نهجًا، ومن خدمة الوطن واجبًا لا تحكمه المصالح ولا تحدّه المناصب.
إنها وقفة وفاء مع رجلٍ من أبناء السلط، أفنى أكثر من خمسة عقود في خدمة القضاء الأردني، وتولى أعلى المواقع القضائية، وظل اسمه حاضرًا في الحديث عن القاضي الذي تُقاس مكانته بما يتركه من سيرةٍ طيبة وأثرٍ باقٍ، لا بما يشغله من منصبٍ أو يحمله من لقب.
ومن هنا تبدأ حكاية القاضي موسى الساكت؛ حكاية رجلٍ من منارات السلط، ومن صفحات القضاء الأردني، ومن الأسماء التي تستحق أن تُستعاد سيرتها وفاءً للتاريخ، وإنصافًا للرجال، وإضاءةً للأجيال القادمة.
القاضي موسى الساكت… منارة العدل والنزاهة //
ليس من اليسير أن تُختصر سيرة رجلٍ أفنى عمره في محراب القضاء، ولا أن تُختزل مسيرة قاضٍ تولّى أعلى المناصب القضائية في قائمةٍ من الوظائف والمسؤوليات؛ فالمناصب، مهما علت، تنتهي بانتهاء الخدمة، والألقاب، مهما سمت، لا تصنع وحدها مجد الرجال. أما السيرة الطيبة فتبقى، والأثر النبيل يمتد عبر الأجيال، والذكر الحسن لا تكتبه المراسيم ولا تمنحه المناصب، بل تصوغه الأخلاق الرفيعة، والمواقف المشرفة، والأمانة في أداء الواجب، والإخلاص في خدمة الوطن والناس.
ومن هنا، فإن استحضار سيرة القاضي المغفور له موسى الساكت هو استحضارٌ لقيمةٍ من أسمى قيم الدولة، ووقفة وفاء مع رجلٍ ارتبط اسمه، في ذاكرة محبيه ومن عرفوا مسيرته، بمعاني العدل والاستقامة والنزاهة والأمانة. فقد كان، في نظر من يعتزون بإرثه القضائي، نموذجًا للقاضي الذي يدرك أن شرف المهنة لا يُقاس بعلو المنصب، وإنما بسمو الرسالة التي يحملها، وبما يقدّمه من خدمةٍ للعدالة، وصونٍ للحقوق، واحترامٍ للقانون.
فالقضاء ليس مجرد سلطةٍ تُمارَس، ولا وظيفةً يتدرج المرء في مراتبها، وإنما هو أمانةٌ عظيمة، ومسؤوليةٌ تتصل بحقوق الناس وكرامتهم، وبثقتهم في مؤسسات دولتهم. والقاضي الذي يحمل هذه الأمانة بضميرٍ حيّ يدرك أن العدالة لا تستقيم إلا باستقلال القرار، والتجرد من الهوى، والابتعاد عن المصالح الشخصية، والاحتكام إلى القانون دون تمييز أو محاباة.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لسيرة موسى الساكت؛ فهو ابن السلط الذي ارتقى في مدارج القضاء حتى تولّى مواقع قيادية رفيعة، وأمضى أكثر من خمسة عقود في خدمة المؤسسة القضائية الأردنية، فغدا اسمه جزءًا من ذاكرة جيلٍ عرف رجال الدولة الذين أدّوا مسؤولياتهم في مراحل مهمة من تاريخ الأردن.
وما أحوجنا اليوم إلى استعادة سير هؤلاء الرجال، لا لمجرد تمجيد الماضي، بل لاستلهام القيم التي تمنح مؤسسات الدولة قوتها، وتمنح المسؤولية معناها، وتبقي ثقة الناس بالعدل راسخةً في وجدانهم. فالأوطان لا تُبنى بالمناصب وحدها، وإنما تُبنى برجالٍ يعرفون أن المنصب تكليفٌ قبل أن يكون تشريفًا، وأن خدمة الناس أمانة، وأن احترام القانون هو أساس الدولة التي تصون حقوق مواطنيها وكرامتهم.
وُلد المرحوم موسى الساكت في مدينة السلط عام 1910م، ونشأ وترعرع في بيئتها الأصيلة، وأتم دراسته الابتدائية والثانوية في (ام المدارس) مدرسة السلط الثانوية للبنين، التي عُرفت بدورها التاريخي في إعداد أجيال من رجالات الأردن.
ثم مضى في طلب العلم إلى دمشق، فالتحق بمعهد الحقوق وتخرّج فيه عام 1932م. وعمل في المحاماة مدة عامين، قبل أن يُعيّن في ملاك وزارة العدلية عام 1934م، لتبدأ مسيرته الطويلة في خدمة العدالة والقانون.
تدرّج في مواقع قضائية متعددة، فعمل كاتبًا في وزارة العدلية، ثم قاضيًا للصلح في معان، ومدعيًا عامًا في إربد، وعضوًا في محكمة بداية إربد، قبل أن ينتقل إلى عمّان، حيث تولّى عضوية محكمة الاستئناف ثم رئاستها، وصولًا إلى رئاسة محكمة التمييز ومحكمة العدل العليا والمجلس القضائي.
وهكذا امتدت مسيرته القضائية لأكثر من خمسين عامًا، قضى جانبًا كبيرًا منها في مواقع المسؤولية العليا، حتى أحال نفسه على التقاعد عام 1986م، تاركًا وراءه سجلًا طويلًا من العمل القضائي، واسمًا ظل حاضرًا في ذاكرة من عرفوه أو قرؤوا سيرته.
إن الحديث عن القاضي موسى الساكت ليس حديثًا عن المناصب التي شغلها فحسب، بل عن القيمة الأخلاقية التي ينبغي أن يحملها كل من يتولى مسؤولية القضاء , حين تصبح النزاهة نهج حياة .
فالقاضي النزيه لا يستمد هيبته من منصبه وحده، ولا من قربه من أصحاب السلطة والنفوذ، بل من عدله، واستقلال ضميره، واحترامه للقانون، وقدرته على الفصل بين الحق والمصلحة، وبين الواجب والمجاملة.
إن جوهر النزاهة أن يظل ميزان العدالة مستقيمًا، فلا تميله مكانة صاحب الدعوى، ولا يغيّره نفوذ ذي سلطان، ولا تتحكم فيه مصلحة شخصية أو مجاملة عابرة؛ فالحق لا يعرف الوجاهة، والعدل لا يخضع للمحاباة، والقانون إنما يستمد هيبته من تطبيقه على الجميع دون تمييز. أما جوهر الأمانة، فهو أن يدرك القاضي أن الحقوق التي توضع بين يديه ليست ملكًا له، وإنما هي أمانة في عنقه، ومسؤولية أمام الله والناس والقانون والضمير والتاريخ.
وإن القضاء أمانة عظيمة، تترتب عليها حقوق العباد، وتصان بها كرامتهم، وتستقيم بها حياة المجتمع. ولذلك فإن القاضي لا يحمل مسؤولية إصدار الحكم فحسب، بل يحمل مسؤولية تحرّي الحق، والتثبت من الوقائع، والاحتكام إلى البينة والقانون، والتجرد من الهوى، واستحضار عظمة الوقوف بين يدي الله يوم الحساب.
وقد جاء الوعيد والبيان النبوي عظيمين في شأن القضاء؛ ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: *«القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار» *، رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه عدد من أهل العلم بألفاظ متقاربة.
وهذا المعنى يضع القاضي أمام أعظم مسؤولية يمكن أن يحملها إنسان: أن يعرف الحق فيحكم به، وألا يجور عن العدل عمدًا، وألا يتصدى للفصل في حقوق الناس بغير علم أو بيّنة. فالحكم العادل ليس مجرد قرار قضائي، بل أداء للأمانة التي أمر الله بصونها، والجور في الأحكام ليس خطأً عابرًا حين يكون ظلمًا متعمدًا، بل اعتداء على حقوق العباد وتجاوز لحدود المسؤولية.
ومن هنا تتجلى عظمة القاضي النزيه؛ إذ لا تكفيه هيبة المنصب، ولا يغنيه علم القانون وحده إن لم يصحبه ضمير يقظ، وتقوى تمنعه من الظلم، وشجاعة تحمله على قول الحق. فالقاضي العادل يستحضر أن حكمه قد يغيّر حياة إنسان، وأن حقًا ضائعًا قد يكون وراءه مظلوم لا يملك إلا أن يرفع شكواه إلى الله، وأن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا حين يقترن العلم بالأمانة، والسلطة بالمسؤولية، والحكم بالحق.
وهذه هي المعاني السامية التي تجعل سيرة القاضي المغفور له موسى الساكت جديرةً بالاستحضار والتوثيق، وتمنح ذكراه مكانتها في الذاكرة القضائية والوطنية الأردنية؛ فقد ارتبط اسمه، في وجدان من عرفوا سيرته واستذكروا مسيرته، بصورة القاضي المستقيم، العادل، النزيه، الأمين، الذي أمضى سنوات عمره في خدمة القضاء، وتولّى أعلى مسؤولياته في مرحلة مهمة من تاريخ الدولة الأردنية، مؤمنًا بأن العدالة ليست مجرد نصوصٍ تُطبّق، بل رسالةٌ تُصان بها الحقوق، وتُحفظ بها كرامة الإنسان، وتترسخ بها الثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه.
إننا حين نستحضر موسى الساكت اليوم، لا نريد أن نجعل من الماضي ساحةً للمفاخرة أو مجرد سجلٍّ للأسماء والمناصب، وإنما نريد أن نستخرج من صفحاته المضيئة القدوة الحسنة التي نحتاج إليها في حاضرنا ومستقبلنا؛ قدوة القاضي الذي يجعل الحق فوق الهوى، والعدالة فوق المصلحة، والقانون فوق المجاملة، وأمانة المسؤولية فوق كل اعتبار.
نريد أن نستحضر سيرة رجلٍ من أبناء السلط، رفع اسم مدينته من خلال مسيرته القضائية، وأسهم في خدمة الأردن في ميدانٍ لا تستقيم الدولة إلا باستقامة رجاله، ولا يطمئن الناس إلى أحكامه إلا حين يثقون بنزاهة القائمين عليه.
فالأوطان لا تقوى بمؤسساتها وأسمائها الرسمية وحدها، ولا بما تسطّره القوانين في صفحاتها، وإنما تقوى برجالٍ ونساءٍ يحملون أمانة تلك المؤسسات بضمائر يقظة، ويؤمنون برسالتها، ويؤدون واجباتهم بإخلاصٍ وتجرد، ويجعلون خدمة الناس وصون حقوقهم غايةً لا يحيدون عنها. فالمؤسسة العظيمة لا تصنعها الهياكل الإدارية وحدها، بل يصنع مكانتها من يتولون مسؤولياتها، ويمنحونها من نزاهتهم واستقامتهم ما يجعلها موضع ثقة المجتمع واحترامه.
ومن هنا، فإن الوفاء للقاضي موسى الساكت لا يقتصر على ذكر اسمه والثناء على سيرته، بل يتجاوز ذلك إلى إحياء القيم التي ارتبطت بذكراه، وجعلها جزءًا من ثقافة المسؤولية في مجتمعنا، ومن المبادئ التي نهتدي بها في اختيار القدوات وتربية الأجيال. فالأمم التي تحفظ سير أصحاب الفضل لا تفعل ذلك لتعيش في الماضي، بل لتجعل من تجارب رجالها الصالحين مناراتٍ تضيء طريق المستقبل.
لقد حظي القاضي المغفور له موسى الساكت بتقديرٍ رسمي رفيع لمسيرته القضائية الطويلة، وتكريمًا لما قدّمه من خدمةٍ للقضاء الأردني، وما عُرف به من عدلٍ واستقامةٍ ونزاهةٍ وأمانة، فقد زاره الملك في منزله، وقلّده *وسام النهضة من الدرجة الأولى*، تقديرًا لعطائه الممتد، وإخلاصه في أداء رسالته القضائية، وما بذله من جهودٍ في خدمة الوطن وترسيخ مكانة القضاء.
كما أقامت له الحكومة والمجلس القضائي ونقابة المحامين حفلات تكريم ووفاء، احتفاءً بمسيرته الحافلة بالعطاء، وجهوده في خدمة القضاء وتعزيز استقلاله، بعد رحلة مهنية تجاوزت خمسة عقود، أمضاها في رحاب العدالة، وتولّى خلالها مسؤوليات قضائية رفيعة، منها ما يقارب أربعة عشر عامًا في رئاسة السلطة القضائية، وفق ما تذكره سيرته.
ولم يكن ذلك التكريم مجرد احتفاءٍ برجلٍ أنهى خدمته الوظيفية، بل كان تقديرًا لمسيرةٍ طويلة من تحمّل المسؤولية، واعترافًا بقيمة العمل المخلص حين يقترن بالنزاهة والاستقامة، ورسالةً للأجيال بأن خدمة الوطن بإخلاصٍ وأمانة تستحق الوفاء والتقدير، وأن الرجال الذين يؤدون واجباتهم بضميرٍ حيّ يتركون أثرًا يتجاوز سنوات خدمتهم ومواقع مسؤولياتهم.
ومع ذلك، فإن أرفع الأوسمة التي ينالها الإنسان ليست بالضرورة تلك التي تُعلّق على صدره، مهما علت مكانتها، بل تلك التي تستقر في قلوب الناس، وتحفظها الذاكرة الوطنية، وتشهد لها الأجيال؛ إنها أوسمة السمعة الطيبة، وراحة الضمير، وحسن الذكر، والسيرة العطرة التي يتناقلها الناس احترامًا لصاحبها واعتزازًا بما جسّده من قيمٍ ومبادئ.
إن اختيار القاضي المغفور له موسى الساكت للحديث عنه في هذا المقال ليس انتقاصًا من قامات السلط الأخرى، ولا تفضيلًا اعتباطيًا لرجلٍ على سائر رجال الأردن، وإنما هو احتفاءٌ بقامةٍ قضائيةٍ شامخة، ارتبط اسمها في الذاكرة الوطنية بمعاني النزاهة والاستقامة والعدالة، وبمسيرةٍ تستحق أن تُقرأ وتُوثّق في سياق تاريخ القضاء الأردني الحديث. فلكل رجلٍ ميدانه، ولكل قامةٍ بصمتها، ولكل من خدم وطنه بإخلاصٍ حقٌّ في الذاكرة والإنصاف.
فالسلط التي أنجبت رجالًا في الجيش والأمن والأدب، أنجبت كذلك رجالًا في القضاء حملوا أمانة القانون، وأسهموا في خدمة الدولة وترسيخ مكانة مؤسساتها. وإذا كان الجندي يحمي الوطن، ورجل الأمن يصون أمنه، والشاعر يحفظ وجدانه ويعبّر عن آماله وآلامه، فإن القاضي النزيه يحرس ميزان العدالة، ويصون حقوق الناس، ويمنح القانون هيبته، ويسهم في ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. وهكذا تتكامل ميادين العطاء، وتتعدد وجوه الخدمة الوطنية، ويبقى الإخلاص في أداء الأمانة هو القاسم المشترك بين الرجال الذين يستحقون التقدير.
ولكل ميدانٍ رجاله، ولكل مسؤوليةٍ أمانتها، غير أن العدالة تظل من أهم الأسس التي تقوم عليها ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها؛ ولذلك فإن الاحتفاء بقاضٍ ارتبط اسمه بالنزاهة والاستقامة هو احتفاءٌ بقيمةٍ تتجاوز شخصه إلى رسالة القضاء ذاتها، وإلى المبادئ التي لا تستقيم الحياة العامة إلا بها: العدل، والأمانة، واحترام القانون، وصون الحقوق دون تمييز أو محاباة.
ومن حق السلط أن تعتز بالقاضي موسى الساكت , ومن واجب المؤسسات المعنية بتاريخ القضاء الأردني أن تحفظ الوثائق والشهادات المتعلقة بحياته وعمله، وأن توثّق مواقفه وإنجازاته، حتى تبقى ذكراه قائمةً على المعرفة الموثقة، وتنتقل سيرته إلى الأجيال القادمة بوصفها جزءًا من تاريخ القضاء والوطن.
فالسلط ولّادة، ولم تكن يومًا مدينةً عقيما ولم تنضب مناراتها، ولن تكون؛ فهي مدينةٌ تتجدد فيها القامات بتجدد الأجيال، وتنبثق من أصالتها طاقاتٌ جديدة تحمل راية العلم والعدالة والقيادة والإبداع.
وإننا إذ نعتز بتاريخ السلط ورجالاتها وحرائرها، فإن اعتزازنا بها جزءٌ من اعتزازنا بالأردن كله، فلكل مدينةٍ أردنيةٍ تاريخها ومناراتها، ومجد الوطن حصيلة عطاء أبنائه وبناته. غير أن للسلط مكانةً خاصة في وجدان أهلها (ونحن من أهلها)، فهي مدينةٌ تحفظ إرث الأجداد، وتصون أصالتها، وتورّث الأجيال قيم الكرامة والوفاء والانتماء.
فالسلط السلطانة بالحق، العريقة بجذورها، الشامخة برجالاتها وحرائرها، والمحروسة بعين الله سبحانه وتعالى. وستبقى، بإذنه، ولّادةً للقامات والمنارات، ما دام أبناؤها وبناتها يحملون أمانة التاريخ، ويؤمنون بأن خدمة الوطن شرف، والنزاهة كرامة، والعدل أساس نهضة المجتمعات وبقائها.
رحم الله القاضي موسى الساكت وسائر رجال السلط والأردن الذين تركوا وراءهم سيرةً طيبةً وأثرًا كريمًا، وحفظ الله السلط وأهلها، وحفظ الأردن عزيزًا آمنًا، وجعل الأجيال القادمة خير خلفٍ لخير سلف.
فالمدن العظيمة لا تنطفئ مناراتها ما دام في أهلها من يصون الذاكرة، ويعرف قدر الرجال، ويورّث الأجيال معنى الوفاء. حفظ الله الأردن وحفظ السلط بعين رعايته امين .












































