اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
هذا عنوانُ كتابٍ لإمامٍ من أئمة النحو، وهو أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني، المعروف بـ (ثعلب) (291هـ)، وقليلٌ ما يتوجه النحويون إلى التأسيس في ميدان الأدب، أو التنظير لأركانه، وقواعده، ولعل هذا الكتاب أحد النماذج القليلة، وفيه إشارة إلى العلاقة الوثيقة التي تربط بين النحو والأدب، ولا سيما أن الأدب أوسع أفقاً، وأعم نطاقاً، وأكبر رواقاً، إذ يدخل في إطاره: الشعر، والنثر، والنحو، والتصريف، والبلاغة، والعروض، والأخبار.
وليس هذا مجال تفصيل للفوارق بين الأدب وعلوم اللغة العربية الأخرى، لكننا أردنا اتخاذ هذا الكتاب أنموذجاً للعلاقة الماسة بين الأدب والنحو، والصلة الخاصة بين الأدب والبلاغة، فلا غنى للنحوي عن الأدب، ولا ينهض الأدب بغير نحوٍ، كما لا يسمو الأدب ويرتفع إلا بالبلاغة، ولا تتجلّى البلاغة إلا بواسطة الأدب؛ ولذلك اختار أبو العباس ثعلب الانطلاق من هذه العلاقات، والتأكيد عليها.
وقد دعاني للحديث عن هذا الكتاب أمران: أولهما - أن مؤلفه ممن عُرِف بالتقعيد النحوي، والتأصيل اللغوي، وثانيهما - أن أكثر المشتغلين بالأدب ونقده لا ينصرفون إلا إلى النقاد فحسب، مغفلين اهتمام النحاة، وإسهاماتهم النقدية، كما هو هذا الكتاب الذي يُعدّ رصدًا مبكرًا في ميدان النقد الأدبي، وهو أيضاً من المؤلفات البواكير التي تتوجه نحو تذوق الشعر من جانبه اللغوي، والنحوي، والبلاغي.
وقد قسّم المؤلف كتابه إلى موضوعات متنوعة، كالأمر، والنهي، والاستخبار، والمدح، والهجاء، والمرثية، والاعتذار، والتشبيه، والتشبيب، واقتصاص الأخبار، والاستعارة، وحسن الخروج، ومجاورة الأضداد، والمطابق، وجزالة اللفظ، واتساق النظم، والسناد، والإقواء، والإكفاء، والإجازة، والإيطاء، وتمّيز المؤلف بإطلاق مصطلحات جديدة، أرى أنه سبق فيها غيره، كمصطلحات: الاتساق، والأبيات الغرّ، والأبيات المحجّلة، والأبيات الموضحة، والأبيات المرجلة.
وقد وضع المؤلف أسساً فنية للشعر تعتمد على بيان الألفاظ، وتركيب الجمل، فمهّد بذلك لجهود البلاغيين والنقاد، سواء من معاصريه، كالأصمعي (216هـ)، وابن سلام الجمحي (231هـ)، وابن قتيبة (276هـ)، وابن المعتز (296هـ)، أو ممن أتوا بعده، كابن طباطبا (322هـ)، وقدامة بن جعفر (337هـ)، وأبي القاسم الآمدي (370هـ)، وابن رشيق القيرواني (456هـ)، وعبدالقاهر الجرجاني (471هـ)، وضياء الدين بن الأثير (637هـ)، وغيرهم؛ لذا تميز هذا الكتاب بمؤلفه النحوي، وبسبقه التاريخي، وتنوعه العلمي، فكان من المصنفات النقدية المؤسسة وإن اتسم بالخلط بين قواعد الشعر، وقواعد الكلام بشكل عام.
وقد ذكر الدكتور رمضان عبدالتواب – وهو من أهم الذين حقّقوه - أن هذا الكتاب «من الكتب المحظوظة في النشر؛ فقد نشره من قبل المستشرق (سكياباريللي)، كما نشره الشيخ محمد عبدالمنعم خفاجي في القاهرة، ونَشَرتُه أنا بعد أن عثرتُ على مخطوطة جديدة في مكتبة الأزهر، غير التي استخدمها (سكياباريللي)، وهي مخطوطة الفاتيكان. أما الشيخ خفاجي فإنه اعتمد على مطبوعة (سكياباريللي)، ولم يرَ مخطوطة الفاتيكان، ولا مخطوطة الأزهر. وقد تولت دار المعرفة نشر الطبعة الأولى بتحقيقنا سنة 1966م بالقاهرة. وقد أشاد واحد من كبار المشتغلين بعلوم الشرق من الألمان بنشرتنا هذه في أحد مؤتمرات المستشرقين بأميركا، ووصفها بأنها أكمل طبعة، وأوثق نشرة لهذا الكتاب».
وألمح المحقق إلى ما تميز به هذا الكتاب في سبقه المصطلحي، وبخاصة في ميدان البلاغة والنقد، حيث قال: «معظم اصطلاحات الكتاب لم يرد لها ذكر في كتب البلاغة، أو وردت بمعنى آخر غير المعنى الذي شرحها به ثعلب. كما أن هذا الكتاب لم يقتبس منه أي مؤلف في فنون البلاغة والنقد الأدبي حتى الآن».










































