اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيار ٢٠٢٦
د. عبدالرؤوف الخوفي
إنّه تصوّرٌ لم يطرحه إيمانويل كانط صراحة، ولكنّها محاولةٌ لاستنطاق تصوّره وفق معطيات فلسفته، فهو لم يكتب مشروعًا مستقلاً في فلسفة اللغة كما فعل من جاء بعده، ولم يجعل اللغة موضوعًا مركزيًا في كتبه الكبرى. غير أنّ أفكاره المعرفية والنقدية كانت لتفتح أفقًا واسعًا للتأمل في اللغة بوصفها أداةً تُنظّم إمكان إدراك الواقع. وهو ما حصل فعلاً عبر مشروع إرنست كاسيرر لاحقًا (الكانطية الجديدة).
ولذلك فإنّ قراءة كانط من زاوية لغوية تكشف أنّه كان يؤسس لواحدةٍ من أهم الانعطافات الفكرية التي ستؤثر لاحقًا في تصوّرات المعنى والحداثة والخطاب.
لقد كان التصوّر السائد في عصر كانط أنّ اللغة مجرد أداة لتسمية أشياء موجودة سلفًا، أو للتعبير عن أفكار مكتملة في الذهن. غير أنّ مشروع كانط كان سيقلب المعادلة؛ حيث إنّ فكرته الأساسية تكمن في أنّ العقل لا يتلقّى العالم بصورة خام، بل يُعيد تشكيله عبر قوالب قبلية تنظّم التجربة الإنسانية. فالإنسان لا يُدرك الشيء في ذاته، وإنما يدرك الظواهر كما تبدو ضمن شروط الإدراك البشري. ومن هنا يمكن تخيّل موقف كانط من اللغة بصفتها جزءًا من البنية التي تُصاغ من خلالها التجربة وليست مجرد مرآة شفافة للأشياء.
ولو امتد هذا التصور إلى اللغة، فإنّ الكلمات لن تكون مجرد أسماء تعلَق بالأشياء، بل أدوات تشكّل التجربة ذاتها. فاللغة ضمن الأفق الكانطي ستكون إحدى الوسائط التي يُرتِّب بها العقلُ العالمَ ويمنحه قابلية الظهور. حيث يساهم الإنسان عبر اللغة في تنظيمها داخل شبكة من المعاني والعلاقات.
إنّ هذا التصوّر يقترب بصورة استباقية من مجمل الاتجاهات اللغوية ما بعد الحداثية التي رأت أنّ المعنى لا يوجد مستقلًا عن أنظمة التعبير والإدراك.. حيث سيبدو كانط قريبًا من فكرة أنّ اللغة ليست وعاءً محايدًا بل أفقًا يُشارك في بناء العالم المُمكن.
ولعلّ أكثر ما يُمكن استثماره لغويًا في فلسفة كانط هو تمييزه الشهير بين الشيء في ذاته، والشيء كما يظهر لنا. فهذا التمييز يُفضي ضمنًا إلى الاعتراف بأنّ اللغة عاجزة عن القبض الكامل على الحقيقة المطلقة، لأنّها تعمل داخل حدود التجربة البشرية لا خارجها. إذ إنّ الكلمات وفق هذا التصور لا تنفذ إلى جوهر الأشياء النهائي، بل تُعبّر عن الكيفية التي تتبدّى بها تلك الأشياء للعقل الإنساني.
لكنّ هذا التصور يخلق مشكلة محرجة، فإذا كانت اللغة مجرّد ظاهرة، فكيف يمكنها أن تتحدث عن عالم الظواهر نفسه، ناهيك أن تشير إلى الشيء في ذاته أو إلى الأفكار العقلية المحضة؟ هنا بالضبط ربما كان كانط سيكتشف أنّ اللغة هي الوسيط المفقود في فلسفته. إنها ليست شيئًا في ذاته ولا ظاهرة بين الظواهر، بل هي النشاط نفسه الذي يجعل تحويل الشيء في ذاته إلى ظاهرة ممكنًا.
وبظنّي فإنّ كانط لو خاض في اللسانيات مباشرة، فلربما اتجه إلى النظر إلى اللغة بوصفها نشاطًا تنظيميًا للعقل أكثر من كونها ذخيرة للألفاظ. فالمعنى عنده لن يكون انعكاسًا ميكانيكيًا للواقع، بل نتيجةً لتفاعلٍ بين الإدراك والمقولات الذهنية والخبرة الإنسانية. وربما كان سيقترب من التصوّرات التي ترى أنّ الإنسان لا يسكن العالم مباشرة، بل يسكن تصوّراته.
وهذا بالتأكيد ما جعلني أُفكّر فيما لو كان العقل يصوغ التجربة فإنّه سيفتح الباب للتساؤل حول مدى إمكان ادّعاء الموضوعية المطلقة للغة. فإذا كانت المعرفة تمرّ عبر البنية الذهنية، وكانت اللغة تُعبِّر عن هذه المعرفة، فإنّ الخطاب الإنساني كلّه يغدو محكومًا بحدود الإنسان نفسه. وهنا لا تصبح اللغة أداة كشفٍ محض، بل تُصبح أيضًا أداة حجب؛ إذ تُظهر العالم بقدر ما تُخفي منه.
ولهذا يُمكن فهم التأثير غير المباشر لكانط على تيارات فلسفية ولغوية لاحقة، فهو قد مهّد لفكرة أنّ المعنى لا يُعطى جاهزًا في الخارج، بل يتشكّل داخل شروط الفهم الإنساني؛ حيث ستغدو المرجعيّة منوطة باللسان بوصفه نسقًا ينشأ من مبدأ عقل جامع يُشكِّل وحدة المعارف المتنوعة القابعة تحت فكرة واحدة، وليس بالكلام بوصفه فعلًا لغويًّا، ومن هذه الفكرة ستنشأ لاحقًا أسئلة التأويل والمُفسِّر والسلطة، وهو ما حدث بالفعل لاحقًا مع هايدجر وبارت وفوكو؛ إذ لا مرجعيّة ثابتة.
لكنّ أهم ما تمنحه القراءة اللغوية لكانط هو ذلك الوعي الحاد بحدود اللغة نفسها، فالإنسان حين يتكلّم يظن أحيانًا أنّه يُمسك بالحقيقة كاملة، بينما هو في الواقع يتحرّك داخل حدود الإدراك المُمكن.
ولذلك فإنّ اللغة في ضوء التصوّر الكانطي ليست سلطة مطلقة على العالم، بل محاولة بشرية لتنظيم الفوضى داخل صيغٍ قابلة للفهم. وكأنّ الإنسان -وفق تصوّره- كلّما ظنّ أنّ اللغة تمنحه سيطرةً أوسع على الحقيقة اكتشف أنّها تكشف حدود قدرته على التعبير فقط.










































