اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
قبل أيام، شاهدت مقطع فيديو لأحد الأشخاص العرب، لن أذكر جنسيته، تجاوز فيه كل الحدود في حديثه عن الأردن، تاريخاً وقيادةً وموقعاً وإنجازات، محاولاً تصوير الأردن وكأنه كيان مستحدث لا جذور له في التاريخ، ولا امتداد حضارياً أو هوية وطنية.
وللأسف، فإن هذا الخطاب ليس جديداً، فقد اعتدنا سماع اتهامات مشابهة من بعض الأصوات العربية التي تختزل تاريخ الأردن في روايات سياسية مبتورة، وتتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا والحضارة.
وإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن مصر تُعرف بحضارتها الفرعونية، والعراق بحضاراته السومرية والبابلية والكلدانية والآشورية،وسوريا بحضارة اوغاريت والارامية والكنعانية ، ولبنان بحضارته الفينيقية والكنعانية وكذلك فلسطين. أما الأردن، فليس أقل شأناً من هذه البلدان من حيث الإرث الحضاري؛ فقد شهد حضارات عريقة، منها العمونية والمؤابية والنبطية، ولا تزال شواهدها حاضرة أمام العالم، وفي مقدمتها مدينة البتراء الوردية، إحدى عجائب الدنيا السبع، التي تمثل شاهداً حياً على عظمة الحضارة النبطية وما بلغته من تقدم في الهندسة والعمارة والتجارة وإدارة المياه.
وهنا أود أن أطرح سؤالاً بسيطاً: ما هي الدولة العربية الحديثة التي عُرفت باسمها الحالي، وبحدودها السياسية الراهنة، وبنظام حكمها الحالي، قبل أكثر من مئة عام؟ومن هي الدولة العربية التي خرجت عن نظام التقسيم الاستعماري؟
إذا استعرضنا تاريخ الدول العربية، نجد أن معظمها تشكّل بصورته السياسية الحديثة خلال القرن العشرين، وأن الحدود والأنظمة السياسية التي نعرفها اليوم هي نتاج تحولات تاريخية وسياسية متعاقبة .
فمصر حكمها محمد علي منذ عام 1805، ثم خضعت للاحتلال البريطاني عام 1882 بعد الثورة العرابية ، إلى أن أُعلنت المملكة المصرية عام 1922. أما العراق الحديث، فقد تشكّل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأُعلنت المملكة العراقية عام 1921، ونال استقلاله عام 1932.
أما بلاد الشام، فقد كان هذا الاسم يُطلق تاريخياً على منطقة جغرافية واسعة تضم سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، وكانت هذه المناطق، أو أجزاء واسعة منها، ولايات وأقضية تابعة للدولة العثمانية، ولم تكن الدول الأربع قائمة بحدودها السياسية الحالية.
فلبنان بحدوده الراهنة لم يكن دولة مستقلة، بل كان جبل لبنان جزءاً من التقسيمات الإدارية العثمانية، قبل أن يعلن الفرنسيون قيام دولة لبنان الكبير عام 1920. أما فلسطين، فقد عُرفت تاريخياً بأقاليمها ومدنها وقراها وساحلها الفلسطيني، ثم تشكّلت حدودها السياسية في عهد الانتداب البريطاني.
وفي سوريا، كان مفهوم سوريا الكبرى أوسع بكثير من حدود الدولة السورية الحالية. وقد أُعلن استقلال لبنان عام 1943، فيما تحقق الجلاء الفرنسي الكامل عن سوريا ولبنان عام 1946.
وإذا انتقلنا إلى الجزيرة العربية والخليج العربي، فهل كانت هذه الدول، باستثناء اليمن، قائمة منذ فجر التاريخ بحدودها السياسية الحالية؟ بالطبع لا. فقد تشكّلت كياناتها السياسية عبر مراحل تاريخية مختلفة، أدت فيها القبائل والعائلات الحاكمة دوراً أساسياً، وتأثرت حدودها وعلاقاتها السياسية بالتحولات الإقليمية والتدخلات الأجنبية. فالمملكة العربية السعودية أُعلنت عام 1932، فيما شهدت دول الخليج العربي قيام كياناتها واستقلالها بصورتها الحديثة خلال القرن العشرين، وكان عقد السبعينيات محطة أساسية في ذلك.
وفي المغرب العربي، ورغم عراقة حضاراته وتاريخه، تعاقبت عليه مراحل من الحكم المحلي والعثماني والاستعمار الأوروبي، قبل أن تبدأ دوله مسيرة الاستقلال في القرن العشرين؛ فاستقلت ليبيا عام 1951، والمغرب وتونس عام 1956، والجزائر عام 1962.
ومن هنا، نصل إلى الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها: الأردن ليس استثناءً في تاريخ نشأة الدول العربية الحديثة، بل كان من أوائل الدول التي تأسست في القرن العشرين؛ فقد أُنشئت إمارة شرق الأردن عام 1921، وأُعلنت المملكة الأردنية الهاشمية دولة مستقلة ذات سيادة عام 1946.
وعليه، لماذا يصبح تاريخ نشأة الدول العربية مقبولاً عندما يتعلق بالآخرين، ويصبح تهمة عندما يتعلق بالأردن؟ ولماذا تُقبل التحولات السياسية والحدود الحديثة في تاريخ الدول الأخرى، بينما تُستخدم الظروف التاريخية والسياسية التي رافقت تأسيس الأردن للطعن في هويته وشرعيته؟
إن الدول لا تُقاس شرعيتها بعمرها وحده، ولا يجوز اختزال تاريخها في ظروف نشأتها السياسية. فالتاريخ العربي بأكمله شهد تحولات وحدوداً جديدة، ولم تكن الخرائط السياسية الحالية ثابتة منذ الأزل.
أما الأردن، الذي يحاول البعض النيل منه، فقد تأسس على أرض لها تاريخها وحضارتها وأهلها وامتدادها العربي، ولم يكن يوماً أرضاً بلا هوية أو شعب. وقد صنع الأردنيون دولتهم بمؤسساتها وإنجازاتها وتضحيات أبنائها، ورسخوا حضورها ومكانتها رغم شح الموارد وضخامة التحديات.
وإذا كان البعض يريد فتح ملف علاقات الأردن مع الغرب، فليكن السؤال أكثر شمولاً وموضوعية: هل توجد دولة عربية لم تتأثر علاقاتها الدولية بموازين القوى والمصالح السياسية؟ وهل يمكن اختزال شرعية أي دولة أو تاريخها في طبيعة علاقاتها مع القوى الأجنبية؟ إن العلاقات الدولية تحكمها اعتبارات المصالح والظروف السياسية، ولا يجوز استخدامها معياراً انتقائياً للطعن في دولة دون غيرها.
ومن يفتش في تاريخ الأردن، عليه أن يفتش في تاريخ بلده أولاً، فليس من المنطق أن نطالب الآخرين بما لا نقبله لأنفسنا، ومن يسكن بيتاً من زجاج لا يقذف الآخرين بالحجارة.
أما الأردن، فنحن لا ندّعي أننا دولة بلا مشكلات، ولا ننكر صعوبة أوضاعنا الاقتصادية، ولا نتجاهل التحديات التي تواجهنا، لكننا نعتز بأننا حافظنا على أمننا واستقرارنا، وبنينا مؤسساتنا، وحافظنا على تماسك مجتمعنا وكرامة مواطنينا، رغم محدودية مواردنا وضخامة ما واجهناه من تحديات.
لدينا مؤسسات راسخة، وكفاءات بشرية متميزة، وإنجازات في التعليم والصحة والصناعة والأمن، ولدينا تجربة وطنية تستحق التقدير. ولو توفرت للأردن الإمكانات الاقتصادية والموارد التي توفرت لغيره من الدول، لكان له شأن آخر في ميادين التنمية والاقتصاد والتقدم الحضاري.
نحن لا نطلب شهادة حسن سلوك من أحد، ولا ننتظر من أحد أن يمنحنا صكوك الوطنية أو الشرعية أو الاعتراف بتاريخنا. فالأردن لم يكن يوماً بحاجة إلى شهادة من الآخرين ليؤكد وجوده وهويته ومكانته.
اختلف كما تشاء، وانتقد كما تشاء، فالنقد حق، والاختلاف أمر طبيعي، لكن لا تزوّر التاريخ، ولا تتجاهل الحقائق، ولا تتطاول على وطن صنعه أبناؤه بعرقهم وتضحياتهم، وحافظوا عليه جيلاً بعد جيل.
الأردن ليس بحاجة إلى إذن من أحد ليكون دولة ذات سيادة وكرامة وتاريخ.
حيطنا مش واطي، وكرامتنا مش مستباحة، والأردن أكبر من كل محاولات التشكيك والانتقاص.
والله من وراء القصد.












































