اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
نتعلم من دراسة التاريخ أن المعرفة ليست تراكم معلومات، بل قدرة على رؤية ما لا يُرى.. فالتاريخ حين يُقرأ بوعي يتحول إلى أداة لفهم الحاضر، لا إلى سجل للماضي.. نحن لا ندرسه لنستعيد ما حدث، بل لنفهم كيف وصلنا إلى ما نحن عليه، وكيف تشكلت أفكارنا ومؤسساتنا ومدننا عبر سلسلة طويلة من القرارات التي اتخذها أشخاص عاشوا ظروفًا مختلفة تمامًا عن ظروفنا..
في البداية يجب أن أقول إنني غير مؤمن بمقولة 'التاريخ يعيد نفسه'، فلم يحدث أبداً أن أعاد التاريخ نفسه، لكن لا بد أن أوضّح أنني كنت ومازلت مغرما بدراسة التاريخ، رغم أنني معماري، أي نصفي المعرفي تقني/هندسي والنصف الآخر مرتبط بالفنون، والتاريخ يتسلل من هذا الجانب الذي يسمى 'فن'.
في مطلع التسعينات من القرن الفائت كتبت سلسلة مقالات حول 'كيف نعيش التاريخ' وكانت نظرتي مادية: أي كيف يمكن أن نجسد التاريخ من خلال العمارة، وكنت شغوفاً بالعمارة التقليدية آنذاك وتاريخها وما تسلل إليها من عناصر غائرة في الزمن. لم يكن التاريخ يمثل لي 'فلسفة' بل أحداث صنعت نتائج منها العمارة، ولم أكن متنبهًا إلى أن هناك ما هو كامن وراء المادة ويفترض أن أبحث عنه، فهناك تكمن الأسرار.
هذا الاكتشاف المتأخر أن التاريخ ليس مجرد مادة تُقرأ، بل طبقة عميقة من الوعي، جعلني أعيد النظر في علاقتي به. كنت أظن أن العمارة وحدها تكفي لفهم الزمن، وأن الجدران تحفظ ما لا تحفظه الكتب، لكنني أدركت لاحقاً أن المادة ليست سوى السطح، وأن ما يتسلل عبرها هو ما يستحق التأمل. فالتاريخ لا يعيش في الأحداث، بل فيما تخلّفه الأحداث من أثر، في تلك الطبقات الخفية التي تتراكم داخل الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل نظرتنا للعالم دون أن نشعر. ولعلّ ما جعلني أبتعد عن فكرة 'التاريخ يعيد نفسه' هو أن الزمن لا يعود، بل يتحوّل. الأحداث لا تتكرر، بل تتشابه في ملامحها لأنها تنبع من طبيعة الإنسان، لا من طبيعة التاريخ. ولهذا يصبح التاريخ بالنسبة لي ليس سرداً لما حدث، بل محاولة لفهم لماذا حدث، وكيف تحوّل إلى مادة تُجسّد في العمارة، وفي الفنون، وفي كل ما يترك أثراً يمكن قراءته.
في بداية هذا الفصل سألت الطلاب عن السبب وراء دراستنا لتاريخ العمارة. موضوع المادة هو 'قضايا معاصرة' ولا يوجد ما هو معاصر دون أن تكون أسباب وجوده ممتدة في الزمن. طلبت منهم أن يبحثوا عن الأسرار التي لا تظهر أمام عيونهم، فالتاريخ يكمن في غير المعلوم أكثر من المعلوم. قلت لهم: فكروا فيمن اتخذ القرارات التي تسببت في الحدث التاريخي، وما الموارد التي كان يملكها. سألتهم عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعاصرة لبداية نشأة أسباب الحدث. كانت مجرد أسئلة للتفكير حتى يستطيعوا أن يتجاوزوا حضور النتيجة التاريخية الماثلة أمام عيونهم، فهذه النتيجة لها سطوة يصعب تجاوزها وغالباً ما تشكل الصورة المعرفية عند قارئ التاريخ.
كنت أريد منهم أن يفهموا أن التاريخ ليس ما نراه، بل ما نفكّر فيه. فالحدث التاريخي، حين يصل إلينا، يصل مكتمل الشكل، واضح الملامح، محاطاً بهالة من اليقين، وكأن النتيجة التي نراها اليوم كانت حتمية منذ البداية. وهذا أخطر ما في قراءة التاريخ؛ أن نظن أن ما حدث كان لا بد أن يحدث، وأن القرارات التي اتُّخذت كانت واضحة لأصحابها كما تبدو واضحة لنا الآن. لذلك حاولت أن أزيح عنهم سطوة النتيجة، وأن أعيدهم إلى اللحظة الأولى، إلى تلك النقطة التي لم يكن فيها شيء مؤكداً، ولم تكن فيها القرارات سهلة، ولم تكن فيها الموارد متاحة كما نظن. كنت أريدهم أن يتخيلوا صانع القرار وهو يقف أمام احتمالات مفتوحة، لا يعرف أيها سيقود إلى ما نراه اليوم، وأن يفكروا في الظروف التي أحاطت به، في الضغوط التي واجهها، في المخاوف التي كانت تحاصره، وفي الموارد المحدودة التي كان يعمل ضمنها. فالتاريخ لا يُقرأ من نهاياته، بل من بداياته، ولا يُفهم من نتائجه، بل من دوافعه. وحين يتعلم الطالب أن يرى ما وراء النتيجة، يبدأ التاريخ في الكشف عن أسراره، ويصبح الحدث أكثر إنسانية، وأكثر قابلية للفهم، وأكثر قدرة على تعليمنا كيف نفكر، لا كيف نحفظ.
ولعلّ أهم ما نتعلمه من دراسة التاريخ هو أن المعرفة ليست تراكم معلومات، بل قدرة على رؤية ما لا يُرى. فالتاريخ، حين يُقرأ بوعي، يتحول إلى أداة لفهم الحاضر، لا إلى سجل للماضي. نحن لا ندرسه لنستعيد ما حدث، بل لنفهم كيف وصلنا إلى ما نحن عليه، وكيف تشكلت أفكارنا ومؤسساتنا ومدننا عبر سلسلة طويلة من القرارات التي اتخذها أشخاص عاشوا ظروفاً مختلفة تماماً عن ظروفنا. إن التاريخ يعلّمنا التواضع أمام الزمن، ويذكّرنا أن ما نراه اليوم ليس نهاية، بل حلقة في سلسلة أطول مما نتخيل. وحين يدرك الطالب أن كل نتيجة يراها أمامه كانت يوماً ما احتمالاً هشّاً، يبدأ في فهم أن المستقبل أيضاً ليس قدراً، بل قرار. وهنا يصبح التاريخ ليس درساً في الماضي، بل درس في المسؤولية.










































