اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - حين نتحدث عن زيادة الصادرات الأردنية، تتجه الصورة في أذهاننا غالباً إلى مصنع ينتج سلعة، وشاحنة تحملها إلى الحدود، ثم ميناء أو معبر ينقلها إلى سوق خارجية. وهذه الصورة ستبقى مهمة لأي اقتصاد يريد توسيع إنتاجه، لكنها لم تعد الصورة الوحيدة للتصدير. ففي الاقتصاد الجديد يمكن لمهندس أردني أن يعمل من عمّان لمشروع في الخليج، ولمبرمج في إربد أن يطور نظاماً لشركة في أوروبا، ولمصمم في الكرك أن يقدم خدمته لعميل على الجانب الآخر من العالم، من دون أن تعبر شاحنة واحدة الحدود.
هذه هي الفرصة التي تستحق أن يحتل الحديث عنها مساحة أكبر في التفكير الاقتصادي الأردني: تصدير الخدمات والمعرفة والمهارات الأردنية إلى العالم، مع بقاء الإنسان والعمل والدخل داخل المملكة.
الأردن لا يمتلك النفط، ومساحته الزراعية محدودة، وكلف الطاقة والنقل تشكل تحدياً أمام بعض الصناعات، لكن لديه مورداً مختلفاً استثمر فيه لعقود طويلة هو الإنسان. جامعات تخرج أطباء ومهندسين ومبرمجين وصيادلة ومحاسبين ومختصين في مجالات مختلفة، وشباب يتقنون التكنولوجيا واللغات ويتمتعون بقدرة على العمل مع أسواق إقليمية ودولية.
إذا كانت هذه هي إحدى نقاط القوة الأردنية، فمن المنطقي أن تصبح جزءاً أكبر من نموذجنا الاقتصادي.
المعادلة التقليدية تقول إننا نعلم الشاب، ثم يبحث عن وظيفة، وإذا لم يجد فرصة مناسبة قد يسافر إلى الخارج. أما المعادلة الجديدة التي يجب أن نبنيها فتقول: لا بأس أن تذهب الوظيفة إلى الخارج، لكن لماذا يجب أن يذهب الشاب معها؟
يمكن للوظيفة نفسها أن تأتي إليه.
وهذه ليست فكرة نظرية. طبيعة العمل في العالم تغيرت بصورة كبيرة، وأصبحت قطاعات كاملة قادرة على شراء الخدمة من المكان الذي توجد فيه الكفاءة، وليس بالضرورة من المكان الذي يوجد فيه مقر الشركة. البرمجيات، والتصميم، والهندسة، والمحاسبة، والاستشارات، وخدمة العملاء، وتحليل البيانات، والتسويق الرقمي، والترجمة، والتعليم الإلكتروني وغيرها، كلها مجالات يمكن أن تنتقل فيها الخدمة عبر الشبكة بدلاً من انتقال صاحبها عبر المطار.
وهنا يمتلك الأردن ميزة لا ينبغي التقليل من قيمتها. موقعه الزمني مناسب لأسواق الخليج وأوروبا، والعربية تمنحه مدخلاً طبيعياً إلى سوق إقليمية واسعة، والإنجليزية مستخدمة على نطاق واسع بين أصحاب التخصصات، كما أن الخبرة الأردنية تتمتع بحضور معروف في عدد من القطاعات العربية.
المطلوب أن نحول هذه العناصر من مزايا متفرقة إلى صناعة تصدير منظمة.
فبدلاً من أن يكون لدينا آلاف الشباب الذين يعمل كل واحد منهم بصورة فردية مع عميل في الخارج، يمكن أن تنشأ شركات أردنية متخصصة في بيع الخدمات إلى الأسواق العالمية. شركة هندسية في عمّان تصمم لمشاريع خارج المملكة، وشركة برمجيات في إربد تخدم مؤسسات خليجية، ومكتب محاسبة في الزرقاء يدير أعمال شركات في أسواق أخرى، ومركز متخصص في محافظة يقدم خدمات رقمية لمؤسسات لا يعرف عملاؤها حتى أين يجلس الموظف الذي يخدمهم.
وهنا تبدأ قيمة اقتصادية مختلفة تماماً.
عندما نصدر سلعة، نحتاج إلى مواد أولية وطاقة وتغليف ونقل وشحن ومستودعات وإجراءات حدودية. أما في كثير من الخدمات الرقمية والمهنية، فإن المادة الخام الأساسية هي المعرفة، ووسيلة النقل هي الإنترنت.
وهذا لا يعني أن تصدير الخدمات سهل أو أنه بديل عن الصناعة. الصناعة والزراعة والتعدين والسياحة ضرورية، ولا يمكن لاقتصاد متوازن أن يقوم على قطاع واحد. لكن الخدمات تمنح الأردن مساحة يستطيع فيها المنافسة من دون أن تكون الجغرافيا وكلفة الشحن عقبة بالدرجة نفسها.
الأهم أن تصدير الخدمات يمكن أن يساعدنا في مواجهة واحدة من أصعب مشكلاتنا: البطالة بين الشباب والخريجين.
لدينا سنوياً خريجون يدخلون سوقاً محلية محدودة الحجم. وإذا بقيت الوظائف المتاحة مرتبطة فقط بحجم الطلب داخل الأردن، سنظل أمام معادلة صعبة: عدد كبير من الباحثين عن العمل واقتصاد محلي لا يستطيع استيعاب الجميع بالسرعة المطلوبة.
لكن ماذا يحدث إذا لم نعد نعتبر السوق الأردنية هي السوق الوحيدة لهؤلاء؟
بدلاً من أن يبحث مئة ألف شاب عن وظائف لدى الشركات الموجودة داخل المملكة فقط، يصبح الهدف أن يعمل جزء منهم من الأردن لصالح اقتصاد عالمي أكبر بكثير من الاقتصاد الأردني.
عندها نكون قد وسعنا سوق العمل من دون أن نوسع حدود البلد.
وهذه فكرة تستحق أن تصبح محوراً في سياسات التشغيل والتدريب.
فالطالب الذي يتعلم البرمجة لا ينبغي أن نؤهله فقط لشركة أردنية. نريده قادراً على المنافسة على عقد في الرياض أو دبي أو لندن أو برلين. والمهندس لا نريده مؤهلاً للسوق المحلية فقط، بل للعمل ضمن فريق دولي. والمحاسب الأردني يمكن أن يقدم خدماته لشركات خارج المملكة إذا امتلك المعايير والاعتمادات واللغة والأدوات المطلوبة.
وهذا يعني أن التعليم نفسه يجب أن يبدأ بالتفكير في سوق العمل العالمية.
ليس كافياً أن نسأل الجامعات: ماذا يحتاج سوق العمل الأردني اليوم؟ علينا أن نسأل أيضاً: ما الخدمات التي سيشتريها العالم خلال السنوات العشر المقبلة، وأي جزء منها يستطيع الأردني أن يقدمه؟
الفرق بين السؤالين كبير.
الأول يجعلنا ننافس على عدد محدود من الوظائف الموجودة أصلاً. أما الثاني فيجعلنا نبحث عن طلب عالمي نستطيع جلب جزء منه إلى الأردن.
وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي باعتباره تحدياً وفرصة في الوقت نفسه. بعض الوظائف الروتينية ستتغير، وربما تتراجع الحاجة إلى أجزاء منها، لكن التكنولوجيا نفسها ستخلق طلباً على مهارات جديدة. الدولة التي تبدأ التدريب بعد أن يتغير السوق ستكون متأخرة، أما التي تتوقع المهارات الجديدة وتبنيها مبكراً فستجد أمامها أسواقاً أوسع.
ولذلك فإن مشروع تصدير الخدمات لا يبدأ من وزارة الصناعة أو الاستثمار وحدهما. يبدأ من المدرسة والجامعة والتدريب المهني والاتصالات واللغة والبنية الرقمية والتشريعات وأنظمة الدفع والضرائب وتأسيس الشركات.
إذا أراد شاب أردني أن يقدم خدمة إلى عميل خارج المملكة، يجب أن تكون رحلة حصوله على المال وتسجيل نشاطه ودفع التزاماته واضحة وسهلة. وإذا أرادت شركة أجنبية توظيف مئة شخص يعملون من الأردن، يجب أن تجد بنية تشريعية وتقنية تساعدها على ذلك.
فالاقتصاد الرقمي لا يحتاج إلى ميناء بحري، لكنه يحتاج إلى ميناء تشريعي ومالي سريع.
وهناك فرصة أخرى ربما تكون أهم للمحافظات تحديداً. المصنع يحتاج إلى أرض وبنية تحتية وقرب من الطرق والأسواق، لكن الوظيفة الرقمية تستطيع الذهاب إلى المكان الذي يوجد فيه الإنسان إذا توفر اتصال جيد وتدريب ومساحة عمل مناسبة.
وهذا يعني أن تصدير الخدمات يمكن أن يصبح أداة لتنمية المحافظات أيضاً.
لماذا لا توجد مراكز كبيرة لخدمات الأعمال في الطفيلة أو معان أو الكرك أو المفرق؟ ولماذا يجب أن ينتقل الشاب إلى عمّان حتى يعمل مع شركة خارج الأردن أصلاً؟
إذا كان العميل في دولة أخرى، فلا فرق بالنسبة إليه بين موظف يجلس في غرب عمّان وآخر يعمل من عجلون، ما دام مستوى الخدمة والاتصال والكفاءة متساوياً.
وهنا تستطيع التكنولوجيا أن تفعل ما لم تستطع سياسات تنموية كثيرة فعله بسهولة: فصل الفرصة عن الموقع الجغرافي.
وتصدير الخدمات يحمل ميزة اجتماعية أخرى. فهو يستطيع فتح فرص أوسع أمام الأردنيات، خصوصاً في الحالات التي تشكل فيها المواصلات أو بُعد مكان العمل عائقاً أمام المشاركة الاقتصادية. العمل الرقمي والعمل عن بعد لا يحلان كل المشكلة، لكنهما يفتحان باباً إضافياً يمكن البناء عليه.
كما يمكن لهذا النموذج أن يعيد تعريف علاقتنا بهجرة الكفاءات. فبدلاً من أن يكون أمام المهندس أو المبرمج خياران فقط، إما راتب محلي محدود أو السفر، يصبح هناك خيار ثالث: أن يعيش في الأردن ويحصل على جزء من دخله من الخارج.
وهذا ربما يكون أحد أكثر النماذج فائدة للاقتصاد؛ لأن الكفاءة تبقى داخل المجتمع، والأسرة تبقى مجتمعة، والدخل الخارجي يدخل المملكة وينفق جزء منه في الأسواق المحلية.
لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى ما هو أكثر من دعوة الشباب إلى العمل الحر عبر الإنترنت. المطلوب مشروع اقتصادي حقيقي، بأهداف قابلة للقياس وقطاعات محددة وأسواق مستهدفة.
يمكن مثلاً تحديد مجموعة خدمات يمتلك الأردن فيها أساساً جيداً، ثم بناء خطة لكل قطاع: ما حجم السوق الإقليمية؟ ما المهارات المطلوبة؟ ما الشهادات المهنية اللازمة؟ ما الدول المستهدفة؟ ما الشركات العالمية التي يمكن جذبها لإنشاء مراكز لها في الأردن؟ وما الذي يمنع الشركة الأردنية من بيع خدمتها خارجياً؟
عندها ننتقل من الحديث عن «الاقتصاد الرقمي» كشعار واسع إلى صفقات ووظائف ودخل حقيقي.
ولا ينبغي حصر الفكرة في التكنولوجيا وحدها. الأردن يمتلك خبرات متراكمة في الطب والهندسة والتعليم والاستشارات وإدارة المشروعات والعمارة والخدمات القانونية والمحاسبية وغيرها. بعض هذه الخدمات يحتاج إلى ترتيبات واعترافات مهنية وتشريعية بين الدول، لكن هذا تحديداً هو دور الدبلوماسية الاقتصادية والاتفاقيات.
كما أن السمعة التي بناها الأردنيون العاملون في الخارج يمكن أن تصبح جسراً مهماً. لدينا كفاءات أردنية في دول الخليج وأوروبا وأميركا وغيرها، ويمكن لهذه الشبكة أن تساعد الشركات المحلية على فهم الأسواق والوصول إلى العملاء وبناء الشراكات.
المغترب الأردني هنا لا يكون فقط شخصاً يرسل حوالة إلى أسرته، بل باباً محتملاً لتصدير المعرفة الأردنية.
وهذه النقطة تعيدنا إلى فكرة أساسية: الاقتصاد الأردني لا ينبغي أن يقيس صادراته فقط بما يغادر الحدود داخل حاوية.
هناك صادرات لا يمكن لمسها.
ساعة مهندس.
برنامج حاسوبي.
تصميم معماري.
استشارة طبية أو مهنية ضمن الأطر القانونية المناسبة.
دورة تعليمية.
تحليل بيانات.
خدمة محاسبية.
حملة تسويق.
كل واحدة منها يمكن أن تدخل دخلاً إلى الأردن من الخارج من دون أن تغادر قطعة واحدة من البضائع.
وهذا النوع من الصادرات يتناسب مع بلد محدود الموارد الطبيعية لكنه غني نسبياً برأس المال البشري.
التحدي الحقيقي هو أن نتوقف عن النظر إلى الإنسان المتعلم باعتباره باحثاً عن وظيفة فقط، وأن نبدأ النظر إليه باعتباره وحدة إنتاج قادرة على الوصول إلى سوق عالمية.
ولا يعني ذلك تحميل الشاب وحده مسؤولية إيجاد العميل. الدولة والقطاع الخاص والجامعات مطالبة ببناء المنظومة التي تجعل المنافسة ممكنة: إنترنت موثوق، مهارات متقدمة، لغة، تشريعات مرنة، أنظمة دفع، حماية تعاقدية، مساحات عمل، تسويق دولي، وشركات قادرة على جمع الأفراد داخل كيانات أكبر.
فالعمل الفردي يستطيع توفير دخل لصاحبه، لكن بناء شركات تصدر الخدمات هو الذي يستطيع خلق آلاف الوظائف.
والهدف في النهاية ليس أن يصبح كل أردني مستقلاً يعمل من منزله، وإنما أن تنشأ في المملكة صناعة خدمات عابرة للحدود توظف الأردنيين وتصدر ساعات عملهم وخبرتهم ومعرفتهم.
لقد اعتدنا أن نقول إن الأردن صغير السوق ومحدود الموارد. وهذه حقيقة يجب ألا ننكرها، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى سقف لطموح الاقتصاد.
السوق المحلية صغيرة فقط إذا أصررنا على أن يكون كل عميل داخل الحدود.
أما عندما يستطيع الأردني بيع خبرته إلى الخارج وهو جالس في بلده، فإن السوق تصبح بحجم العالم الذي يستطيع الوصول إليه.
وهنا تتغير المعادلة بالكامل.
بدلاً من أن نسأل كيف نجد وظيفة لكل خريج داخل اقتصاد يبلغ عدد سكانه بضعة ملايين، نبدأ بالسؤال كيف نجعل هذا الخريج قادراً على تقديم خدمة يحتاج إليها مئات الملايين في الأسواق المحيطة والعالمية.
الأردن سيبقى بحاجة إلى مصنع ينتج ويصدر، ومزرعة تنتج بكفاءة، ومنجم يستثمر موارده، وسائح يأتي وينفق داخل المملكة. لكن إلى جانب كل ذلك يجب أن يكون هناك مسار خامس أكثر وضوحاً: أردني يصدر عقله ومهارته وخدمته، بينما يبقى هو في الأردن.
هذه ربما إحدى أسرع الطرق لتحويل الاستثمار الطويل في التعليم إلى دخل خارجي، ولتوسيع سوق العمل، ولخلق فرص في المحافظات، ولتقليل الضغط الذي يدفع بعض الكفاءات إلى الهجرة.
فليس ضرورياً أن نضع كل صادراتنا في صندوق حتى نعبر بها الحدود.
أحياناً تكون أغلى صادرات الدولة فكرة، أو ساعة عمل، أو سطراً برمجياً، أو تصميماً هندسياً، أو خبرة تراكمت لسنوات.
ولهذا فإن الأردن يستطيع تصدير الخدمة قبل أن يصدر السلعة، وإذا أحسن بناء هذا القطاع، فقد يكتشف أن واحداً من أهم موارده القابلة للتصدير كان موجوداً أمامه طوال الوقت:
الإنسان الأردني نفسه.












































