اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - تتغير الحكومة الأردنية، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. معاملات كانت تحتاج إلى أوراق وأختام ومراجعات أصبحت إلكترونية، وخدمات انتقلت إلى التطبيقات والمنصات، والذكاء الاصطناعي بدأ يدخل إلى أدوات التواصل الحكومي، حتى وصلنا إلى إطلاق ناطق رقمي يعتمد هذه التكنولوجيا.
كل ذلك جيد، بل مطلوب.
فالدولة التي لا تدخل العصر الرقمي ستصبح أبطأ من مواطنيها واقتصادها والعالم من حولها. والمواطن الأردني لا يريد أن يقضي نصف يومه بين المكاتب للحصول على ورقة يستطيع الحصول عليها من هاتفه خلال دقائق.
لكن وسط هذا السباق نحو الحكومة الذكية، هناك سؤال قديم لم يصبح ذكياً بعد:
من المسؤول عندما يحدث الخطأ؟
هذه، في رأينا، واحدة من أهم القضايا التي يجب أن ترافق التحول الرقمي في الدولة.
فالرقمنة لا تعني فقط تحويل المعاملة الورقية إلى شاشة، ولا يكفي أن يصبح لكل خدمة تطبيق ورمز إلكتروني ورسالة نصية.
الحكومة الذكية الحقيقية هي التي تجعل المسؤولية أكثر وضوحاً، لا أكثر غموضاً.
في النظام التقليدي كان المواطن يعرف، ولو نظرياً، أن معاملته موجودة على مكتب موظف، وأن رئيس القسم فوقه، ثم المدير، ثم المؤسسة.
أما اليوم فقد يسمع عبارات من نوع مختلف:
«النظام رفض الطلب».
«المنصة لا تسمح».
«الربط لم يتم».
«الطلب عالق إلكترونياً».
«المشكلة من النظام».
لكن النظام ليس موظفاً يمكن مساءلته.
والمنصة لا توقع كتاباً تعترف فيه بأنها أخطأت.
والخوارزمية لن تجلس أمام المواطن لتشرح لماذا رفضت معاملته.
لذلك، كلما أصبحت الحكومة أكثر اعتماداً على التكنولوجيا، يجب أن يصبح الإنسان المسؤول خلف التكنولوجيا أكثر وضوحاً.
المشكلة ليست افتراضية.
تخيل مواطناً يتقدم إلكترونياً للحصول على خدمة يستحقها، فيرفض النظام طلبه بسبب معلومة خاطئة أو ربط غير مكتمل بين مؤسستين.
ماذا يفعل؟
هل يوجد موظف يملك صلاحية مراجعة القرار؟
هل يستطيع تصحيح المعلومة؟
هل يستطيع الاعتراض؟
وخلال كم يوم يجب أن يحصل على جواب؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا تسبب الخطأ الإلكتروني بخسارته موعداً أو فرصة أو حقاً؟
هذه الأسئلة أهم من شكل التطبيق ولونه وسرعته.
ونحن لا نقول ذلك رفضاً للتحول الرقمي، بل دفاعاً عنه.
فأسوأ ما يمكن أن يحدث لمشروع الحكومة الإلكترونية أن تتحول التكنولوجيا من وسيلة لتسهيل حياة المواطن إلى جدار جديد بينه وبين الموظف.
كان المواطن سابقاً يقول: «الموظف لم ينجز معاملتي».
لا نريد أن يصبح اليوم يقول: «الكمبيوتر لم ينجز معاملتي»، ولا يعرف مع من يتحدث.
وهنا تحديداً تظهر أهمية دخول الذكاء الاصطناعي إلى العمل الحكومي.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يشرح للمواطن خدمة، ويختصر وثيقة، ويرشده إلى الإجراء الصحيح، ويجيب عن آلاف الأسئلة في وقت واحد، ويمكن أن يوفر على الدولة والمواطن ساعات طويلة من العمل والانتظار.
لكن الذكاء الاصطناعي، مهما تطور، لا يتحمل المسؤولية القانونية أو الإدارية بدلاً من المؤسسة.
إذا أعطى المواطن معلومة خاطئة، يجب أن تكون هناك جهة مسؤولة عن تصحيحها.
وإذا فهم سؤاله بصورة خاطئة، يجب أن يجد طريقاً سريعاً للوصول إلى موظف حقيقي.
وإذا اتخذت أنظمة مستقبلية قرارات آلية تؤثر في حقوق الناس، فيجب أن يكون للمواطن حق معرفة أساس القرار والاعتراض عليه أمام إنسان يمتلك سلطة مراجعته.
بعبارة أخرى:
لا يجوز أن يكون آخر جواب للمواطن: «هكذا قرر النظام».
النظام أداة.
والقرار قرار المؤسسة.
والمسؤولية مسؤولية البشر الذين يديرونها.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية.
الحكومة الرقمية تمنحنا فرصة تاريخية ليس فقط لتسريع الخدمات، وإنما لقياس المسؤولية بدقة لم تكن ممكنة في عصر الورق.
في المعاملة الإلكترونية يمكن معرفة متى دخل الطلب، ومتى انتقل، وأين توقف، وكم استغرق، ولماذا أعيد، ومن تعامل معه.
إذن، لماذا لا يستفيد المواطن من جزء من هذه الشفافية؟
لماذا لا يستطيع أن يرى مثلاً:
معاملتك وصلت.
المؤسسة المسؤولة عنها هي كذا.
المدة المتوقعة لإنجازها ثلاثة أيام.
توقفت المعاملة لهذا السبب.
تجاوزت المدة القانونية.
هذا هو مكان تقديم الاعتراض.
وهذا هو الرقم المرجعي للشكوى.
عندها تصبح الرقمنة أداة مساءلة وليست مجرد أداة خدمة.
بل يمكن للحكومة نفسها أن تعرف أي مديرية تتأخر، وأي خدمة تتكرر الشكاوى حولها، وأين تتعطل المعاملات، ومن ينجز ومن لا ينجز.
وهنا نصل إلى نقطة مهمة جداً:
الدولة الذكية ليست التي تمتلك أكبر عدد من التطبيقات، وإنما التي تتعلم من بيانات تطبيقاتها.
إذا تلقى مركز حكومي عشرة آلاف شكوى عن المشكلة نفسها، فليس الإنجاز أن يجيب عنها آلياً عشرات الآلاف من المرات.
الإنجاز أن يسأل أحدهم: لماذا لم نحل أصل المشكلة؟
وهذا هو الفارق بين رقمنة البيروقراطية وإصلاحها.
يمكنك أن تأخذ إجراءً حكومياً معقداً من عشر خطوات وتحوله إلى عشر خطوات إلكترونية، فتكون قد رقمنت التعقيد ولم تلغه.
ويمكنك أن تستخدم الذكاء الاصطناعي لشرح تعليمات غامضة للمواطن، بينما الحل الأفضل ربما يكون إعادة كتابة التعليمات نفسها بطريقة لا تحتاج إلى ذكاء اصطناعي لشرحها.
التكنولوجيا يجب ألا تساعد المواطن فقط على التعايش مع البيروقراطية.
يجب أن تساعد الحكومة على التخلص من البيروقراطية نفسها.
ولذلك فإن إطلاق أي خدمة رقمية جديدة يجب أن يصاحبه سؤالان، لا سؤال واحد.
الأول: ماذا يستطيع النظام أن يفعل؟
والثاني، وهو الأهم:
من المسؤول عندما لا يفعل ما يجب؟
نريد حكومة رقمية، ونريد ذكاءً اصطناعياً في المؤسسات، ونريد معاملات تنجز من الهاتف، ونريد أن تختفي طوابير المراجعين والملفات والأختام قدر الإمكان.
لكننا نريد معها شيئاً بسيطاً جداً:
أن يبقى هناك اسم ومسؤولية وحق في الاعتراض.
فالمواطن عندما تسير معاملته بشكل صحيح لن يسأل من المسؤول.
السؤال يظهر عندما تتعطل حياته.
وعندها لا يكفي أن يجد أمامه شاشة تقول:
«حدث خطأ.. حاول مرة أخرى لاحقاً».
الدولة ليست تطبيقاً، والمواطن ليس «مستخدماً» فقط، والخدمة الحكومية قد تكون مرتبطة بحق أو رزق أو تعليم أو علاج أو ترخيص أو مستقبل أسرة.
لهذا، كلما ازدادت حكومتنا ذكاءً رقمياً، يجب أن تصبح أكثر وضوحاً إنسانياً.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجيب عن السؤال.
لكن الحكومة وحدها يجب أن تجيب عن سؤال: من المسؤول؟












































