اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ أب ٢٠٢٦
الرياض - صلاح القرني
اعتاد كثيرون النظر إلى الثقافة باعتبارها مساحة للإبداع والتعبير وحفظ الهوية، لكنها اليوم تؤدي دوراً يتجاوز ذلك، بعد أن أصبحت مورداً اقتصادياً يخلق الفرص ويولد القيمة ويفتح آفاقاً جديدة أمام المبدعين في مختلف المجالات. ومع تنامي الاقتصاد الإبداعي عالمياً، لم يعد المنتج الثقافي محصوراً في المعارض والمتاحف والمسارح، بل أصبح قادراً على التحول إلى منتجات وخدمات وتجارب تلامس حياة الناس، وتربط الإبداع بحركة الاقتصاد.
في المملكة، تتعزز هذه الرؤية من خلال مبادرات تقودها وزارة الثقافة بهدف تمكين الفنانين والمثقفين والممارسين الثقافيين، وإتاحة مسارات جديدة لمشاركتهم في التنمية الاقتصادية. ويأتي برنامج 'الثقافة في مرافق الضيافة'، ضمن الشراكة الاستراتيجية بين وزارتي الثقافة والسياحة، ليجسر المسافة بين القطاع الثقافي وقطاع الضيافة، ويجعل الإبداع جزءاً من تجربة اقتصادية وسياحية متكاملة يستفيد منها الممارس والمنشأة والزائر.
ولا يقتصر البرنامج على إثراء تجربة الزائر بالمحتوى الثقافي، بل يتيح للممارسين فرصاً عملية لتقديم منتجاتهم وخدماتهم وخبراتهم داخل مرافق الضيافة. فالحِرفي الذي يصنع قطعة مستوحاة من تراث منطقته، والفنان الذي يقدم عملاً بصرياً يعكس هوية المكان، والطاهي الذي يعرّف الضيوف بالموروث الغذائي المحلي، جميعهم قادرون على تحويل مهاراتهم ومعارفهم إلى قيمة اقتصادية ترتبط مباشرة بتجربة الزائر.
وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه يمنح المنتج الثقافي مساحة تتجاوز العرض التقليدي، ليصبح جزءاً من رحلة الزائر نفسها. فالقطعة الحرفية لا تقدم باعتبارها منتجاً فقط، وإنما تحمل قصة المكان ومهارات أبنائه، والعمل الفني يمنح الزائر قراءة بصرية للهوية المحلية، فيما يتحول الطعام إلى وسيلة للتعرف إلى الموروث والعادات والتقاليد المرتبطة به.
وتزداد أهمية هذه الفرص مع النمو المتسارع الذي يشهده القطاع السياحي في المملكة، وما يصاحبه من ارتفاع الطلب على التجارب الأصيلة التي تعكس الثقافة المحلية. فالزوار لم يعودوا يبحثون فقط عن خدمات الإقامة التقليدية، بل عن تجارب تمنحهم فهماً أعمق للمكان الذي يزورونه، وهنا تبرز القيمة الاقتصادية للمحتوى الثقافي، الذي يتحول من عنصر جمالي أو معرفي إلى عامل مؤثر في صناعة التجربة السياحية.
كما يسهم البرنامج في توسيع نطاق وصول الممارسين الثقافيين إلى شرائح جديدة من الجمهور، ويفتح أمامهم فرصاً لبناء شراكات مهنية مع مرافق الضيافة والمنشآت السياحية. وبدلاً من ارتباط نشاط الممارس بفعالية أو مناسبة محددة، يمكن أن يجد من خلال هذه الشراكات مساحات أكثر استمرارية لعرض أعماله وتقديم خدماته، بما يعزز استدامة الممارسات الثقافية وينوع مصادر الدخل المرتبطة بها.
وفي المقابل، تستفيد مرافق الضيافة من هذا التكامل عبر تقديم تجارب أكثر تميزاً وارتباطاً بهوية المكان. فالمنشأة التي تدمج الثقافة المحلية في تفاصيل تجربة الضيف لا تقدم خدمة الإقامة وحدها، وإنما تمنحه فرصة للتعرف إلى المجتمع الذي يزوره من خلال فنه وحِرفه وموروثه الغذائي، وهو ما يضيف قيمة إلى التجربة ويمنحها خصوصيتها.
ويحصل الضيف بدوره على تجربة تجمع بين الراحة والمعرفة والتفاعل مع الثقافة المحلية، لتتشكل منظومة تحقق المنفعة لجميع الأطراف؛ الممارس الثقافي يصل إلى جمهور وأسواق جديدة، ومرفق الضيافة يطور تجربته، والزائر يقترب بصورة أكبر من هوية الوجهة وثقافتها.
ومن هنا، يمثل برنامج 'الثقافة في مرافق الضيافة' فرصة للممارسين الثقافيين الراغبين في توسيع حضورهم وتحويل إبداعهم إلى فرص اقتصادية أكثر استدامة. فكل حِرفة، وكل قصة، وكل عمل إبداعي قادر على أن يكون جزءاً من تجربة تترك أثراً ثقافياً واقتصادياً في آن واحد، وتؤكد أن الثقافة ليست فقط ما يعرّف بالمكان ويحفظ هويته، بل مورد يسهم أيضاً في تنمية اقتصاده.










































