اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
العلاقة بين القطاع غير الربحي والإنسان لا تتحدد بمقدار ما يقدمه من خدمات، ولا بمشاركة الأفراد في العمل داخل منظماته وحدها.. إنها علاقة أعمق، تتصل بقدرة الإنسان على التعبير عن احتياجاته، والمشاركة في تحديد أولوياته، والإسهام في تشكيل البيئة..
خلال الأعوام العشرة الأخيرة، كنت قريبًا جدًا من القطاع غير الربحي من خلال جائزتي عبداللطيف الفوزان لعمارة المساجد، واليونسكو – الفوزان الدولية لتشجيع العلماء الشباب. وكلتاهما تجمعان بين العمل الدولي والمحلي، وتعبران عن التوجهات المستقبلية للقطاع غير الربحي في المملكة، الذي لم يعد يكتفي بالعمل على التنمية المحلية، بل أصبح أداة عميقة تدعم القوة الناعمة للمملكة على مستوى العالم. ومن خلال هذه التجربة، أصبح السؤال عن مستقبل هذا القطاع مرتبطًا بما يستطيع أن يبنيه من معرفة ومؤسسات وصلات ممتدة بين المجتمع والعالم، أكثر من ارتباطه بحجم الإنفاق أو عدد المبادرات التي ينفذها.
ربما كان من السهل في الماضي النظر إلى القطاع غير الربحي باعتباره قطاعًا يركز على تقديم الخدمات أو معالجة الاحتياجات الاجتماعية المباشرة، لكن التحولات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة كشفت أن هذا القطاع يمتلك قدرة أكبر بكثير من مجرد العمل التنموي التقليدي. فبعض المبادرات التي تنطلق من المملكة اليوم لا تستهدف الداخل فقط، بل تتوجه إلى العالم بوصفها مساهمة معرفية وثقافية وإنسانية تعكس رؤية المجتمع السعودي لنفسه ولدوره في محيطه الإقليمي والدولي. ولهذا لم يعد نجاح المؤسسة غير الربحية يقاس بقدرتها على تقديم الخدمات فحسب، بل بقدرتها على صناعة أثر مستدام، وعلى بناء شراكات دولية، وعلى تقديم نماذج تسهم في الحوار العالمي حول قضايا الإنسان والعلم والثقافة والتنمية.
من هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة المتنامية بين القطاع غير الربحي والقوة الناعمة. فالدول لا تُعرف فقط بما تملكه من موارد أو إمكانات اقتصادية، بل كذلك بما تقدمه للإنسانية من مبادرات وأفكار ومشروعات قادرة على إنتاج أثر إيجابي طويل الأمد. وعندما تنجح مؤسسة غير ربحية سعودية في الوصول إلى منصة عالمية أو في بناء مشروع يتجاوز الحدود الجغرافية، فإنها لا تخدم مجالها فحسب، بل تسهم في تعزيز حضور المملكة وصورتها بوصفها دولة مشاركة في إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل.
في الملتقى الخامس لمستقبل القطاع غير الربحي، الذي عُقد في الرياض الأسبوع الماضي وتنظمه مؤسسة الملك خالد بالتعاون مع مؤسسات أخرى، طُرحت قضايا متعددة حول دور هذا القطاع في تطوير المشهد الحضري في المملكة. وقد ناقشت الجلسات جوانب تتصل بالإسكان التنموي، والفضاءات العامة، والبنية التحتية الاجتماعية، والعمران من أجل الإنسان. وبين هذه الموضوعات برزت فكرة أراها جوهرية، وهي العلاقة المباشرة بين القطاع غير الربحي والإنسان، باعتباره المحرك لكل تنمية وغايتها في الوقت نفسه.
العلاقة بين القطاع غير الربحي والإنسان لا تتحدد بمقدار ما يقدمه من خدمات، ولا بمشاركة الأفراد في العمل داخل منظماته وحدها.. إنها علاقة أعمق، تتصل بقدرة الإنسان على التعبير عن احتياجاته، والمشاركة في تحديد أولوياته، والإسهام في تشكيل البيئة.
تقدم جائزة عبداللطيف الفوزان لعمارة المساجد مثالًا واضحًا على هذا الدور في المجال المعماري. فعمارة المسجد تتجاوز تصميم المبنى إلى فهم علاقته بالعبادة والمجتمع والمدينة، وما يترتب على ذلك من أسئلة تتصل بالوظيفة والتنظيم المكاني والهوية واحتياجات المستخدمين.. وقد أسهمت الجائزة في جعل هذه الأسئلة مجالًا للتداول بين المعماريين والباحثين، وربطت الممارسة المهنية بالمعرفة الأكاديمية، ووسعت النقاش حول المسجد من حدود الشكل إلى شروط أدائه ودوره في الحياة الحضرية، بما يتيح تراكمًا معرفيًا ومهنيًا يمكن الاستفادة منه في التعليم والتطوير.
أما جائزة اليونسكو – الفوزان الدولية لتشجيع العلماء الشباب، فتعمل في مساحة مختلفة؛ لكنها تتجه إلى الهدف نفسه. فالعلماء في بدايات مساراتهم المهنية يحتاجون إلى منظومة تعترف بإنجازهم، وتمنحهم حضورًا داخل المجتمع العلمي، وتُعرّف المجتمع الأوسع بقيمة ما ينتجونه من معرفة. ومن هنا تتجاوز أهمية الجائزة تكريم الباحث الفرد إلى دعم الأجيال الجديدة من العلماء، وتعزيز الصلة بين التعليم والبحث العلمي، وإبراز دور الشباب في صناعة المستقبل العلمي والتقني. كما أن بعدها الدولي يفتح مجالًا للتواصل بين الكفاءات العلمية من مناطق مختلفة، ويمنح الإنجاز المحلي مساحة أوسع داخل الحوار العلمي العالمي.
تكشف الجائزتان -رغم اختلاف مجاليهما- عن مسارين متكاملين للعمل غير الربحي؛ مسار يطور المعرفة والممارسة في العمارة، ومسار يدعم حضور العلماء الشباب في مجالات العلوم والتقنية. وفي كليهما يتجاوز الأثر حدود النشاط المباشر ليصل إلى التعليم، وتطوير المهنة، وبناء مؤسسات قادرة على حفظ الخبرة ونقلها. ومن هنا يمكن النظر إلى مستقبل القطاع غير الربحي من خلال قدرته على بناء هذه الصلات، وتحويل المبادرات إلى مسارات مستمرة يشارك فيها الإنسان، وتنتج معرفة وأثرًا يتجاوزان حدود المشروع الواحد. ولعل هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه القطاع في المستقبل، وهو أيضًا الفرصة الأكبر التي يمتلكها؛ أن يكون شريكًا في بناء الإنسان، وصناعة المعرفة، وتعزيز حضور المملكة في العالم من خلال أثر يبقى ويتراكم ويصنع قيمة تتجاوز حدود الزمن.










































