اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
هكذا كانت بداية الرسالة التي وصلتني من شخص وكان طلبه الوحيد ان لا أذكر اسمه، واضاف بلهجة مخنوقة عند اتصاله بأن أكتبها ضمن صياغة تصلح للنشر ولم يُحدد لماذا يطلب نشرها، واستجابة لطلبه أنشرها كما فهمتها منه وهي أيضا تُشبه الكثير من احوال عاشها الناس واعرفهم واعرف قصصهم .
حين يكون القتل بلا رصاصة
اليوم، تحل الذكرى السابعة لموتي. سبع سنوات مرت منذ تسبب أحدهم في مقتلي، لا برصاصة اخترقت جسدي، ولا بسكين أنهت حياتي، بل بقتل بطيء ومدروس، بدأ بمراوغات صغيرة وخطوات محسوبة، وانتهى بمحاولة التخلص مني، وكأن الغاية كانت محوي من المشهد دون أن تترك وراءها جريمة واضحة المعالم.
قد يبدو غريبا أنني، في بداية محاولات اغتيالي، لم أكن أرى فيما يحدث أكثر من خلافات عابرة ومناوشات مؤقتة بين أشخاص تجمعهم علاقة وثيقة. فقد كنا كالأخوين، وربما تجاوزت علاقتنا حدود الأخوة، إلى درجة لم تخطر معها ببالي يوما فكرة أن يتحول القرب إلى عداوة، والثقة إلى خذلان، والمودة إلى وسيلة للانقضاض علي.
لكن النفوس تتغير حين يستوطنها الطمع، ويستبد بها الجشع، وتصبح السيطرة والهيمنة غايتين تبرران كل الوسائل. عندها، بدأ ذلك الإنسان الذي عرفته طيبا يتآكل من الداخل، وتتلاشى فيه أجمل الخصال، ليحل مكانها الحقد والحسد والظلم. وبدلا من المواجهة الصريحة، نسج ذرائعه بإتقان، وأحسن توظيفها لاستمالة آخرين وتسخيرهم لخدمة غاياته، حتى أصبح ما يجري أكبر من خلاف عابر، وأخطر من مجرد اختلاف في المصالح أو وجهات النظر.
والمؤلم في الحكاية أنني لم أكن غافلا عما يدور حولي. أدركت الحقيقة في وقت مبكر، ورأيت ملامح المؤامرة تتشكل أمامي، لكنني آثرت الصبر، ومنحت الآخرين من الوقت والفرص ما يكفي، علهم يراجعون أنفسهم، أو يتراجعون عما يخططون له. لم يكن ردي سوى محاولات محدودة للدفاع عن نفسي، وكلمات حاولت من خلالها كشف حقيقة ما يجري، والتنبيه إلى سلوك من توهم القوة، فاستأسد على من ظنه عاجزا عن المواجهة.
ومع ذلك، لم يتوقف ما كان يحدث، ولم تفلح محاولاتي في تغيير المسار الذي بدا أن أصحابه قد حسموا أمرهم بشأنه.
لن أطيل الحديث الآن، فثمة حكايات لا يمكن روايتها دفعة واحدة، وثمة حقائق تحتاج إلى لحظتها المناسبة كي تظهر كاملة، بعيدا عن الانفعال والالتباس.
لقد قتلوني قبل سبع سنوات، لكنهم لم يفعلوا ذلك بالطريقة التي يعرفها الناس. كان قتلا من نوع آخر، أشد قسوة في بعض صوره، لأنه لا يترك جثة يمكن معاينتها، ولا جريمة يسهل إثباتها، ولا قاتلا يقف أمام الجميع ليواجه فعلته. إنه قتل قد يحدث حين يجري إقصاء الإنسان تدريجيا، وسلبه ما بناه، ومحاصرته حتى يصبح حضوره بلا أثر، وصوته بلا صدى، ووجوده في نظر الآخرين كأنه لم يكن يوما.
وهنا يبرز السؤال الذي لا بد من طرحه: لماذا لم أفعل شيئا؟ ولماذا لم أقاوم ما حدث، رغم أنني كنت أدرك ما يجري وأعرف إلى أين يمكن أن ينتهي؟
ليس السؤال بسيطا كما يبدو، ولا إجابته متاحة لمن يبحث عن تفسير سريع. فخلفه حقيقة مخفية، يعرفها الذين تسببوا في موتي، وأعرفها أنا أيضا. حقيقة قد تفسر الصمت الذي رافق ما حدث، وتكشف أسباب عدم المواجهة، وتضع كثيرا من الوقائع في سياقها الصحيح.
لكنني لن أرويها اليوم. سأرويها كاملة حين أعود إلى الحياة من جديد، وحين تتاح لي الفرصة لأفعل شيئا تجاه كل ما جرى، وأواجه ما تركته السنوات السبع من أسئلة معلقة وحقوق مؤجلة ووجع لم يجد طريقه إلى النهاية.
اليوم، تمر الذكرى السابعة لوفاتي، ولا أحد يتذكرني. سبع سنوات من الغياب، كأنها لم تكن، وكأن ما حدث لم يترك في ذاكرة أحد أثرا يستحق التوقف عنده. وربما كانت هذه أقسى صور الموت: ألا يموت الإنسان وحده، بل يموت معه حضوره في ذاكرة الآخرين، وتطوى حكايته قبل أن يقول كلمته الأخيرة.
ومع ذلك، تبقى الحكاية قائمة، ويبقى السؤال معلقا في وجه من يعرفون الحقيقة، وفي وجه كل من شارك في صناعة هذا الغياب أو اختار الصمت أمامه.
هل يتذكر القاتل ذبيحته؟
وهل يمر يوم كهذا على من تسبب في موت إنسان كان يوما قريبا منه، دون أن توقظ الذكرى شيئا في داخله؟
أم أن بعض القلوب تبلغ من القسوة حدا يجعلها تنسى، أو تتناسى، أن وراء كل غياب حكاية، ووراء كل صمت حقيقة، وأن ما يظنه البعض نهاية قد يكون مجرد فصل مؤجل من فصول المواجهة؟
اليوم، تحل الذكرى السابعة لموتي...
لكن الحكاية لم تنته بعد ...












































