اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - قد ينتهي يوم كامل من الجدل على مواقع التواصل من دون أن يقترب النقاش خطوة واحدة من سؤال يمس حياة الأردنيين. تصريح عابر، ومشادة مصوّرة، وتفصيل شخصي، تتناوب على تصدّر الاهتمام، بينما تبقى قضايا العمل والتعليم والصحة وكلفة المعيشة في الخلفية، تنتظر حدثاً استثنائياً يعيدها إلى الواجهة. والمشكلة تبدأ حين يصبح هذا الترتيب عادة، فنمنح الضجيج وقتنا، ونترك ما يؤثر في مستقبلنا بلا متابعة كافية.
للناس حق في الترفيه والفضول وتبادل القصص الخفيفة، ولا يُطلب من المواطن المثقل بأعبائه أن يقضي يومه في قراءة المؤشرات الاقتصادية. لكن المسألة تستحق التوقف عندما تتحول واقعة محدودة إلى قضية تستنزف النقاش أياماً، فيما تمر قرارات تمس آلاف الأسر باهتمام عابر. هنا تصبح طريقة توزيع الانتباه شأناً عاماً، لأن ما نختار متابعته يؤثر في الأسئلة التي نطرحها، وفي المسؤوليات التي نطالب بمحاسبة أصحابها.
في الأردن، هناك أسئلة تستحق حضوراً متصلاً: ماذا يجد الشاب بعد التخرج؟ وكم تستهلك رحلة العمل من راتبه ووقته؟ وهل تستطيع الأسرة الوصول إلى العلاج الذي تحتاجه؟ وكيف تواجه المدرسة الفجوة بين ما يتعلمه الطالب وما تتطلبه حياته؟ هذه ملفات تحتاج شرحاً ومقارنة ومتابعة، وقد لا تمنح المتابع الإثارة السريعة التي يمنحها خلاف شخصي، لكنها تحدد نوعية حياته وفرص أبنائه.
والصخب الرقمي يكافئ ما يثير رد الفعل الفوري. فالمقطع الذي يغضب الناس أو يثير سخريتهم يجد طريقه سريعاً إلى التداول، بينما تحتاج قضية تنموية إلى جهد لفهم أسبابها وتشابكها. ومع تكرار هذا النمط، قد يصبح حجم التفاعل معياراً لأهمية الموضوع، فتتقدم القصة القابلة للانتشار على القضية الجديرة بالنقاش. وهكذا تنشأ فجوة بين ما يشغل الشاشات وما يشغل البيوت فعلياً.
للإعلام مسؤولية أساسية في تضييق هذه الفجوة. حين يلاحق كل موجة عابرة، ويعيد نشرها بعناوين أكبر من حجمها، فإنه يشارك في منحها قيمة لا تستحقها. أما دوره التحريري فيبدأ من اختيار ما يستحق وقت القارئ، وتقديم القضايا المعقدة بلغة مفهومة، وربط الأرقام بتجارب الناس، ومتابعة الملف بعد نشره. فالخبر عن مشكلة خدمية يكتسب قيمته حين يقود إلى سؤال واضح، ثم إلى جواب يمكن التحقق منه.
وتحتاج القضايا الكبرى أيضاً إلى صحافة تجعلها قابلة للفهم والمتابعة. يستطيع تحقيق عن رحلة موظف إلى عمله أن يشرح كلفة النقل أفضل من حديث عام عن الازدحام، وتستطيع متابعة تجربة أسرة مع العلاج أن تكشف موضع التعطل في الخدمة. وعندما يرى المواطن نفسه في المادة المنشورة، ويجد فيها معرفة تساعده على فهم واقعه، تصبح القضية الجادة قادرة على المنافسة على اهتمامه.
وفي المقابل، يترتب على المؤسسات العامة أن تقدم معلومات واضحة ومنتظمة عن الملفات التي تمس الناس، وأن تشرح القرارات ونتائجها بلغة قريبة منهم. فالبيان الذي يكتفي بعبارات الإنجاز لا يصنع نقاشاً مفيداً، والاجتماع الذي تنتهي أخباره بانتهائه يترك المواطن بلا وسيلة لمعرفة ما تحقق. المطلوب معلومات تتيح للناس متابعة الوعد، وفهم الكلفة، وقياس الأثر في حياتهم.
كما يستطيع المستخدم أن يستعيد جزءاً من قراره أمام تدفق المحتوى. فكل مشاركة تمنح موضوعاً دفعة إضافية، وكل تعليق قد يطيل عمر ضجة كان يمكن أن تنتهي سريعاً. والسؤال المفيد قبل الانخراط بسيط: ما الذي يضيفه هذا النقاش إلى معرفتنا؟ وهل يستحق فعلاً كل هذا الوقت؟ وقد تكون الخطوة الأجدى أحياناً توجيه الاهتمام إلى مشكلة قريبة، أو تجربة ناجحة، أو قرار يحتاج إلى تفسير.
لا تحتاج هذه الظاهرة إلى افتراض جهة تدير كل موجة أو تخطط لكل انشغال؛ فالسعي إلى الشهرة والتفاعل، وسهولة استهلاك المحتوى المثير، كافية لإنتاج كثير من الضجيج. لذلك فإن مواجهتها تبدأ بوعي مهني واجتماعي بقيمة الانتباه، وبالقدرة على إبقاء الملفات المهمة حاضرة حتى عندما تخفت جاذبيتها أو تصبح متابعتها شاقة.
الأردن يحتاج إلى نقاش عام يعرف أولوياته، ويتسع للاختلاف، ويمنح التحديات الاقتصادية والاجتماعية ما تستحقه من وقت وجهد. وحين تنتهي الضجة ويغلق المواطن هاتفه، سيجد أمامه الالتزامات نفسها، ورحلة العمل نفسها، والأسئلة نفسها عن مستقبل أبنائه. هذه الحياة التي تعود إلينا كل مساء هي الأجدر بأن تتصدر.












































