اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦
حسين بن حمد الرقيب
عندما تصل حصة التمويل الإسلامي إلى نحو 82% من إجمالي التمويل المصرفي في السعودية، فإننا نتحدث عن تجربة تجاوزت مرحلة تقديم البديل، وأصبحت تمثل الاتجاه الرئيسي للعمل المصرفي. وهذا التحول يعكس قدرة المصارف السعودية على الاستجابة لتفضيلات المجتمع، وتطوير منتجات تجمع بين الضوابط الشرعية والاحتياجات المالية للأفراد والمنشآت.
وتقدم التجربة السعودية نموذجا يستحق التقدير؛ فقد استطاعت المصارف تقديم التمويل الإسلامي ضمن منظومة مصرفية حديثة، تخدم قطاعات اقتصادية متنوعة، وتواكب احتياجات الإسكان والتجارة والاستثمار. لكن وصول الصناعة إلى هذه النسبة يفتح نقاشا أعمق حول جودة المنتجات، وعدالة تكلفتها، وقدرتها على تحقيق منفعة اقتصادية تتجاوز نمو المحافظ التمويلية.
ومن المهم أن نفهم أن المصرف الإسلامي يعمل داخل بيئة مالية لها التزامات واضحة. فهو مسؤول عن حماية أموال المودعين، وتوفير السيولة، والمحافظة على كفاية رأس المال وجودة الأصول، وإدارة مخاطر الائتمان، والالتزام الشرعي لا يعفيه من المتطلبات الرقابية والمعايير المصرفية التي تحفظ استقراره وقدرته على الوفاء بالتزاماته.
كما تتأثر قدرته على الحصول على التمويل والتعامل مع المؤسسات العالمية بتصنيفه الائتماني، ومستوى مخاطره، وثقة المستثمرين والبنوك المراسلة به. ولذلك فإن مطالبته بالتوسع في المشاركة والمضاربة تحتاج إلى مراعاة طبيعة هذه العقود، وما تتطلبه من متابعة وخبرة وقدرة على تحمل تقلبات الأرباح والخسائر.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الاعتماد على المرابحة والإجارة والتورق؛ فهذه الصيغ تساعد على تحديد الالتزامات والتدفقات النقدية بصورة أوضح. ومع ذلك، فإن سهولة تطبيقها لا ينبغي أن توقف الابتكار، أو تحصر التمويل الإسلامي في منتجات متشابهة. المطلوب توسيع الحلول التي تمول المصانع والمزارع والمنشآت الصغيرة، وتناسب دورة أعمال كل نشاط.
وفي المقابل، تستحق بعض المنتجات الموجهة للأفراد مراجعة أعمق، خصوصا بطاقات المرابحة التي قد يؤدي استخدامها المتكرر إلى مديونية مستمرة وتكلفة متراكمة. فالعميل يحتاج إلى معرفة إجمالي ما سيدفعه، وأثر الاكتفاء بالحد الأدنى للسداد، والمدة المتوقعة لإنهاء التزامه، بلغة بسيطة تتيح له المقارنة واتخاذ القرار.
وهنا تبرز مسؤولية البنك المركزي السعودي والهيئات الشرعية في تعزيز التقييم المتكامل للمنتج؛ من سلامة العقد إلى وضوح التطبيق، وعدالة الإفصاح، وحماية المستفيد من الضرر والتغرير. فالموافقة الشرعية مسؤولية كبيرة، ويزداد أثرها حين يصاحبها اهتمام بتجربة العميل والنتائج الفعلية لاستخدام المنتج.
ولا تعني هذه المراجعة التقليل من نجاح التجربة، بل البناء عليه. فكلما اتسعت حصة التمويل الإسلامي، ازدادت مسؤولية المؤسسات عن تطويره، ورفع كفاءته، وتقديم قيمة واضحة للمستفيد. كما تصبح المنافسة على جودة الخدمة والتكلفة والابتكار ضرورة لاستمرار الثقة، وتوسيع الخيارات أمام الأسر ورواد الأعمال.
لقد نجحت السعودية في جعل التمويل الإسلامي قاعدة للعمل المصرفي. والمرحلة المقبلة تستحق طموحا أكبر، أن تقترن الريادة في الحجم بريادة في الجودة والشفافية والأثر التنموي، وأن يشعر العميل بقيمة هذا النجاح في المنتج الذي يستخدمه.










































