اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
مملكة النفس لا تحتاج قاضيًا قاسيًا.. أو إنسانًا متجاهلًا لأحاسيسه ولمشاعره، تحتاج إلى تدليل وتفضيل وإشباع فيما يعد من أفاضل السلوك الإنساني.. حينها فقط لا تعود المملكة سجنًا، بل تعود بيتًا فيه عرش نجلس عليه بهدوء، وحاشية تتكلم بصوت منخفض، وشعب ينام بسلام، وهذا معنى: 'أن تملك نفسك، وليس أن تسيطر عليها، بل تسكنها في سلام دائم'..
إن المتأمل في النفس عبر علوم النفس ومآلاتها، وعبر حكمة الحكماء وخبراتهم، سيجد أن للنفس مملكة كاملة، فيها الملك والحاشية، وفيها الشعب، والسجون، وفيها مقابر لا يُدفن فيها أحد.
وفي إطار ما نحياه اليوم من إيقاع متسارع على كل سبل الحياة اليومية، والتي لا تدع لنا سبيلا في الدخول الي هذه المملكة التي لها من الغموض الرهيب ما يملي علينا التأمل والدراسة بما يناسب علوم هذا العصر الذي بات مدهشا، ولا ريب في ضوء ظهور تقنية الذكاء الاصطناعي وكل أنواع الريبوت وقل ما تشاء. هذه المملكة التي لو أحسنا التدبر فيها، وصياغتها وصياغة قوانينها ونواميسها، لما أحسسنا بذلك الهلع الرهيب لمجرد ذكر الذكاء الاصطناعي وعلوم التقنية، فهذه أو تلك مهما بلغت من تقدم وفنون وإبداعات فلن تمثل أقل نسبة زهيدة في عوالم النفس البشرية التي هي من أعقد الأمور.
فالملك في هذه الجزيرة الغامضة ليس الفرد نفسه، بل هي الفكرة التي يصدقها عن نفسه.. إذا صدق أنه ضحية أصبحت المملكة كلها تبكي، وإذا صدقت أنها ناجية صارت المملكة كلها تحفر آبارا وينابيع وشلالات من السعادة والبهجة!
الفرد ذاته يحكم بما تسمح له أن يصدقه، ولهذا فإن أول ثورة في مملكة النفس هي التغيير.
وإذا ما رجعنا للحاشية، فهي جميعها تلك الأصوات التي سكنت بداخلنا، الأم وهي خائفة علينا، وصوت الأب وهو يعاتبنا، وصوت أول حب كسر القلب والفؤاد، وصوت المعلم حين يقول لا جدوى،، فهؤلاء ليسوا نحن، بل هم يسكنون في قاعة المحكمة ويهمسون للحاكم كل يوم، مملكة النفس الناضجة لا تطرد الحاشية لكنها لا تتركهم يحكمون.
أما الشعب فهو رغباتنا الصغيرة اليومية التي لا تحترم القدرة على عنادها، رغبات كالنوم، والبكاء، والصراخ بصوت عال، النهم والأكل بلا توقف، كل هذه الرغبات وغيرها نجدها تكمن تحت ظل العناد والمقاومة، ولذا لا نلجأ إلى القاضي للمحاكمة، فالحاشية تقف لها بالمرصاد لتقويم تلك الرغبات وتصنيفها ووضعها في قالبها الصحيح، وقد توضع في السجن ان عتيت عليها المقاومة.
والشعب هنا هو دواخل ذواتها التي تؤرق ليلنا وتفتح النوافذ على دهاليز صادمة في بعض الأحيان، ولذا فإن النفس تريد من يجلس معها، يكلمها ويسمعها، ويعطيها من وقته ما يعطيه لمشاغله، وإلا فإنها قد تغضب، وغضب النفس ينقلب على صاحبه فيذيقه من العذاب ما لم يرَه أو يسمعه، ولذا نرى المهرولين إلى العيادات النفسية بلا عدد، وارتفاع تأشيرة الدخول على الطبيب أصبحت تتضاعف أضعافا مضاعفة، في حين أن الطبيب جالس في دواخلنا نحن ينتظر من يدخل عليه بلا تأشيرة أو فيزا، ينتظر من يبوح له ويختلي به ويدلي له بكل مافي خاطره، وفي هذه الحال نجد كل التقدير والتفاني في طبيبنا القابع بين أضلعنا ينتظر الإشارة وبالمجان!
فمملكة النفس لا تحتاج قاضيا قاسيا.. أو إنسانا متجاهلا لأحاسيسه ولمشاعره، تحتاج إلى تدليل وتفضيل وإشباع فيما يعد من أفاضل السلوك الإنساني.. حينها فقط لا تعود المملكة سجنا، بل تعود بيتا فيه عرش نجلس عليه بهدوء، وحاشية تتكلم بصوت منخفض، وشعب ينام بسلام، وهذا معنى: 'أن تملك نفسك، وليس أن تسيطر عليها، بل تسكنها في سلام دائم'.
وفيما نعتقد أن النفس البشرية بممالكها، وجنودها، وشعوبها، وحتى سجونها هي عوالم غامضة ومعقدة، يستعصي على أي تقنيات حديثة وأي ذكاء صناعي وغير صناعي أن يضاهي أو يقلد أو يقترب من صنع صنعه الله عز وجل، وأسكنه في جوانحنا بعالم غريب لا نفقه كنهه.










































