اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
في اللحظات التي يرتفع فيها صوت الخطر، لا يبحث الناس عن الخبر وحده، بل عن صوت يشرح لهم ما يحدث، وما الذي ينبغي فعله، وأين يجدون الحقيقة وسط ضجيج الروايات، هنا يتقدم الإعلام حاملًا مشعل المعرفة، لا ليصف العاصفة فحسب، بل ليساعد المجتمع على عبورها بوعي وثبات.
عبر التاريخ، كان للإعلام حضور حاسم في الأزمات والأحداث العصيبة، من الحروب والكوارث إلى الاعتداءات والأوبئة، ينقل الوقائع، ويكشف الحقائق، ويصل صوت المتضررين بصناع القرار، ويسهم في توجيه السلوك العام نحو ما يحمي الأرواح ويحد من الخسائر، وقد يخفف من حدة الأزمة حين يواجه الشائعة بالمعلومة، والذعر بالتفسير، والفوضى برسالة واضحة ومسؤولة، فالكلمة الدقيقة في وقتها قد تكون فعلًا من أفعال الإنقاذ.
لكن مشهد اليوم يختلف، فالخبر لم يعد ينتظر نشرة المساء، والصورة تعبر القارات قبل أن تكتمل تفاصيلها، والتعليق قد يتحول إلى موجة رأي عام خلال دقائق، ويقدّر الاتحاد الدولي للاتصالات أن نحو ستة مليارات إنسان، أي قرابة 74 في المئة من سكان العالم، يستخدمون الإنترنت في عام 2025، وهذا يعني أن الرسالة الإعلامية باتت قادرة على الوصول إلى جمهور واسع في اللحظة نفسها، وأن مسؤولية التحقق والنشر أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
وتكشف الأرقام كيف تغيّرت عادات تلقي الأخبار، فبحسب معهد رويترز لدراسة الصحافة، ارتفعت نسبة من يشاهدون الأخبار عبر الفيديو الاجتماعي عالميًا من 52 في المئة عام 2020 إلى 65 في المئة عام 2025، كما قال 58 في المئة من المشاركين إنهم يقلقون من صعوبة التمييز بين الصحيح والزائف على الإنترنت، ولم تعد المنصات مجرد قنوات للنشر، بل أصبحت بيئة تتنافس فيها المؤسسات الإعلامية مع المؤثرين والمقاطع المتداولة والخوارزميات على انتباه الجمهور وثقته.
ويمنح الذكاء الاصطناعي الإعلام أدوات تساعده على قراءة المشهد بسرعة، ورصد أنماط انتشار الشائعات، وتحليل تفاعل الجمهور، وترجمة التنبيهات، وصياغة المعلومات بما يلائم شرائح مختلفة، وتظهر أهمية ذلك خصوصًا عندما تتطلب الأزمة سرعة الاستجابة وتعدد قنوات التواصل، لكن التقنية نفسها قد تضاعف الخطر، فالصورة أو التسجيل المصطنع قد يبدو حقيقيًا ويؤجج الخوف قبل صدور التوضيح الرسمي، وقد أشار تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي انتشر خلال إعصار هيلين أسرع من التحديثات الرسمية، محذرًا من أثره في الثقة والاستجابة العامة.
لذلك لم يعد دور الإعلام أن يكون الأسرع فحسب، بل أن يكون الأسرع إلى المعلومة الموثقة، والأقدر على شرحها بلغة يفهمها الناس، وأن يعلن ما يعرفه وما لا يعرفه، ويحدّث رسالته كلما ظهرت حقائق جديدة، فالذكاء الاصطناعي يوسّع قدرة الإعلام، لكنه لا يعفيه من مسؤوليته، والمنصة تضاعف أثر الكلمة، لكنها لا تمنحها المصداقية تلقائيًا، في الأزمات، قد تشعل المعلومة الخاطئة خوفًا يتجاوز الحدث، وقد تعيد المعلومة الدقيقة للناس شيئًا من الطمأنينة والسيطرة، ومن هنا يبقى الإعلام المهني، المدعوم بالتقنية والمحكوم بالتحقق والإنسانية، مشعلًا يهدي الطريق حين تشتد العتمة.










































