اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
طرحتُ سؤالاً على جمَعٍ غزيرٍ من المضافين في رقم هاتفي، وكان السؤال: «هل يمكن أن يصبح الكريمُ بخيلاً؟ وهل يمكن أن يصبح البخيلُ كريماً؟!»، وكانت الإجابات متفاوتة في طرحها، بين سطحية، وعميقة، وفلسفية، وأدبية، ومباشرة، و غير مباشرة، غير أن الذي لفت انتباهي في أكثر الإجابات هو خروج البعض عن صمته، وحديثه إليّ، وفي هذا سرٌّ؛ ليس لأن المجيب قليل التواصل، أو أنه لأول مرة يعلّق تعليقاً خاصاً، وإنما هو تأثر أولئك في موضوع كهذا. وثمة أمر آخر لفت انتباهي، وهو تباين آراء الناس في نظرتهم لتلك الخصلتين المتضادتين، وفي هذا تباين يكشف عن نسق ثقافي مضمر حول موقف الناس من الكرم والبخل.
فمن التعليقات قول أحدهم: «يكون كريماً بالمال، ولكن بالأخلاق ربما يكون بخيلاً .. الكرم يكون في الأخلاق، وفي المال، وفي غيره ..»، وهي إجابة حصيفة؛ فكم من كريم بماله، بخيل بأخلاقه، وإن كان الأولى أن يكون الكريم كريمَ نفسٍ، بمعنى أن تجده معطاءً في كل شيء: في ماله، وفي أخلاقه، وفي سلوكه، وفي تصرفاته، وفي سائر شؤونه؛ ولذا قال الشاعر: «إنَّ الكريمَ إذا خادعتَهُ انخدعا»، بمعنى أنه هيّن ليّن، فهو كريم نفس، وكريم خُلق، وكريمُ طَبعٍ، ينقاد لك بما تمليه عليك سريرته الطيّبة، وعاداته النقية، فإذا خُدِع تغاضى، وتلطّف، وأظهر لمن خادعه أنه انخدع، وليس من شيء، وإنما يفعل ذلك كرمًا وحِلمًا؛ لكي لا يُحرج غيره، أو يُغضِبَ أحدًا، وهذا لعمري من جملة الكرم المحمود.
ويربط بعضهم إجابته برابط نفسي عاطفي، فيقول: «الكريم ربما يقلّل من كرمه بسبب الشعور بالخذلان. البخيل ربما يصبح (كريماً) لتحسين صورته الاجتماعية، وغالباً هذا الشيء يحدث مع توافر المال، أو بمراحل معينة من العمر»، وتلك إجابة تتوجه إلى ما يعرف اليوم بالذكاء الاجتماعي، أو الذكاء العاطفي، غير أنه ذكاءٌ محدود، ومخصوص بزمن، أو بموقف، وقد ينكشف قناعه، وتزول أغطيته في بعض الأحيان، فلا يستطيع الإنسان أن يعيش عمره كله ممارسًا لهذا الذكاء؛ وعندئذٍ قد يغلبُ الطبعُ التّطبّع، ويبدو الطبع الموروث على المكتسب، وكما قال الشاعر: «كلُّ امرئٍ راجعٌ يوما لشيمته ... وإن تخلّق أخلاقًا إلى حينِ»، وكما قيل: «إنّ التخلّقَ يأتي دونه الخُلُق». ومن أعجب ما قرأتُ في هذا الباب قول الشريف الرضيّ في رائعةٍ له عينية: «هَيهاتَ لا تَتَكَلَّفَنَّ لِيَ الهَوى ... فَضَحَ التَطَبُّعُ شَيمَةَ المَطبوعِ».
ومما أثار انتباهي من تعليقاتٍ قول أحدهم: «ممكن. وكم جاء في الحديث (الولد مبخلة مجبنة)، التحول وارد ومُشاهد»، وقد استوقفني هذا التعليقُ؛ لأنه يعلّق الخصلتين في مواضع محددة، قد يجوز أن نصطلح عليها بمعوقات الخصال، أو مكدّراتها، ونعني بذلك أن يتعرض الكريم لما يضايقه، فيحدّ من كرمه وجوده، أو يجد البخيل نفسه أمام ضغط هائل يجعله كريماً في بعض الحالات، والحقيقة أن تبدّل الخصلتين في مثل هذه الأوضاع لا ينفيها عن صاحبها، كما لا يلصقها به، وإنما هو وضع طارئ، وموقف تحكمه الظروف والأحوال، لكن الخصلة الأولى تبقى في ذات صاحبها، حتى وإن رام تعديلاً أو تغييراً.
ومما وصلني من تعليقات أيضاً قول أحدهم: «الكرم والبخل من الطباع المتأصلة في الإنسان، وقد تتغير التصرفات بتغير الظروف، لكن الطبع الأصيل يصعب تغييره، فالكريم كريم بطبعه، والبخيل يبقى بخيلًا». وتعليقات أخرى كثيرة وردتني، أحسب أن أكثرها تؤكد على أن الإنسان إذا راض الطباع وذلّلها، فلربما انقادت له.










































