اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - في الأردن، لم تعد المشكلة في كثير من الملفات أننا لا نعرف أين يكمن الخلل. على العكس، لدينا من الدراسات والتقارير والاستراتيجيات واللجان والتوصيات ما يكفي لرسم صورة دقيقة عن معظم التحديات التي تواجه الدولة. نعرف مشكلة النقل، ونعرف تحديات المياه، ونتحدث منذ سنوات عن البطالة والاستثمار والتعليم والإدارة العامة والفقر والتنمية في المحافظات. وفي كل مرة تقريباً نصل إلى تشخيص قريب من سابقه، ثم تبدأ دورة جديدة من النقاش.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح التشخيص بديلاً عن القرار، والدراسة بديلاً عن التنفيذ، واللجنة محطة ينتقل إليها الملف بدلاً من أن تكون الطريق إلى إغلاقه.
الدولة لا تستطيع بطبيعة الحال إنهاء كل مشكلاتها دفعة واحدة، ولا توجد حكومة تمتلك عصاً سحرية تستطيع بها معالجة تراكمات سنوات طويلة. لكن الإدارة الفعالة تستطيع أن تفعل شيئاً أكثر واقعية وأهمية: أن تختار عدداً من الملفات، وتضع لكل واحد منها نهاية واضحة، وموعداً معروفاً، ومسؤولاً محدداً، ثم تعمل حتى يتحول الملف من قضية نناقشها إلى مشكلة عالجناها.
هناك فارق كبير بين دولة تدير المشكلات ودولة تنهيها. إدارة المشكلة قد تمنعها من الانفجار، وقد تخفف آثارها، وهذا مطلوب أحياناً، لكن استمرار الإدارة المؤقتة سنوات طويلة يحول المؤقت إلى دائم. عندها يصبح المواطن معتاداً على سماع العبارات نفسها: لجنة تدرس، جهة تتابع، توصيات سترفع، خطة ستوضع، وتمويل يجري البحث عنه.
بعد فترة، لا يعود السؤال عند الناس عن مضمون الخطة، بل عن موعد النتيجة.
وهذه مسألة تتعلق بالثقة بقدر ما تتعلق بالإدارة. المواطن يستطيع أن يتفهم أن مشروعاً كبيراً يحتاج إلى سنوات، وأن أزمة المياه لا تعالج خلال أشهر، وأن البطالة لا تنخفض بقرار حكومي. لكنه يجد صعوبة أكبر في فهم ملف صغير نسبياً يبقى عالقاً سنوات بين المؤسسات، أو مشروع أُعلن عنه مراراً من دون أن يعرف متى يبدأ ومتى ينتهي.
الدولة الحديثة تحتاج إلى ما يمكن تسميته ثقافة إغلاق الملفات. ليس الإغلاق الإداري الذي يعني وضع الورق في الأرشيف، وإنما الإغلاق الذي يعني أن المشكلة التي كانت موجودة لم تعد موجودة بالصورة نفسها.
إذا كان هناك طريق خطر، فالنهاية هي إصلاحه. وإذا كانت هناك مدرسة تحتاج إلى توسعة، فالنهاية هي دخول الطلبة إلى الصفوف الجديدة. وإذا كان هناك استثمار متعطل بسبب إجراء، فالنهاية هي إصدار القرار بالموافقة أو الرفض، لا إبقاء المستثمر في الانتظار. وإذا كانت هناك شكوى جماعية مشروعة، فالنهاية هي جواب واضح حتى لو لم يكن الجواب الذي يريده أصحاب الشكوى.
فالقرار الواضح، حتى عندما يكون صعباً، أفضل من الانتظار المفتوح.
ولعل أحد أسباب تراكم بعض الملفات أن الإدارة الحكومية كثيراً ما تبدأ من الصفر مع تغير المسؤول. يأتي وزير جديد فيطلب دراسة الملف، مع أن الوزارة درسته قبل عام. ويأتي مدير جديد فيعيد تقييم المشروع، مع أن فريقاً سابقاً أنهى التقييم. وتتغير الحكومة فيعاد فتح النقاش حول قضية وصلت في مرحلة سابقة إلى مستوى متقدم من القرار.
المراجعة ضرورية، لكن إعادة اكتشاف المشكلة في كل مرة ليست مراجعة. إنها استنزاف للوقت المؤسسي.
هنا تظهر أهمية الذاكرة الحكومية. الدولة يجب أن تكون أطول عمراً من المسؤول، والخطة يجب ألا تفقد قيمتها لأن من أطلقها غادر موقعه. المسؤول الجديد من حقه أن يصحح المسار، لكن الأصل أن يبدأ من النقطة التي وصلت إليها المؤسسة، لا أن يعود بها إلى نقطة البداية إلا إذا كان هناك سبب حقيقي لذلك.
والأردن في هذه المرحلة يحتاج إلى الوقت أكثر مما يحتاج إلى مزيد من الكلام. المنطقة تتغير بسرعة، والمنافسة الاقتصادية تزداد، والمواطن يريد نتائج، والاستثمارات تتحرك نحو الدول الأسرع، بينما ملفات المياه والطاقة والنقل والتعليم لا تنتظر انتهاء النقاشات الطويلة.
كل سنة تتأخر فيها معالجة مشكلة قد تضيف إلى كلفتها.
الطريق الذي لا يصان اليوم يحتاج إلى إعادة تأهيل غداً. شبكة المياه التي يتراكم فيها الخلل تصبح أكثر كلفة. الطالب الذي يتخرج بتخصص لا يحتاجه السوق يدخل إلى طابور البطالة. المستثمر الذي ينتظر طويلاً قد ينقل مشروعه إلى مكان آخر. والمبنى العام الذي تؤجل صيانته قد يصبح بعد سنوات بحاجة إلى استبدال كامل.
أي أن التأجيل ليس قراراً بلا ثمن.
الوقت نفسه بند في الموازنة، حتى لو لم يظهر فيها.
ولهذا ربما تحتاج الحكومة إلى قائمة وطنية مختلفة عن قوائم المشاريع الجديدة: قائمة بالملفات القديمة التي يجب إغلاقها.
لا نريد أن تكون طويلة. على العكس، يمكن اختيار عشر قضايا أو عشرين قضية عالقة يستطيع الجهاز التنفيذي حسمها خلال مدة محددة، ثم إعلانها أمام الناس ومتابعتها بصورة دورية.
ما المشكلة؟
من الجهة المسؤولة؟
ما القرار المطلوب؟
ما العائق؟
متى ينتهي؟
هذه الأسئلة الخمسة قد تكون أكثر فائدة من تقرير مكون من مئات الصفحات إذا كانت المشكلة معروفة أصلاً.
والأهم أن يعرف المسؤول أن النجاح لا يقاس فقط بعدد المبادرات التي أطلقها خلال وجوده في الموقع، وإنما بعدد المشكلات التي لم يتركها لخلفه.
هناك ميل طبيعي لدى المؤسسات إلى الاحتفاء بالبدايات. نحتفل بإطلاق الاستراتيجية، ووضع حجر الأساس، وتوقيع الاتفاقية، وإعلان المبادرة. لكن اللحظة الأهم في حياة أي مشروع ليست بدايته، بل نهايته.
افتتاح الطريق أهم من وضع حجر أساسه.
تشغيل المصنع أهم من توقيع مذكرة الاستثمار.
وصول المياه أهم من الإعلان عن المشروع.
وتوظيف الشباب أهم من إطلاق برنامج التدريب.
الدولة التي تريد ترسيخ ثقافة الإنجاز تحتاج إلى أن تجعل النهاية خبراً أكبر من البداية.
وهذا ينطبق أيضاً على التشريعات. لدينا قوانين وأنظمة تعدل لمعالجة اختلالات معينة، لكن قيمة التشريع لا تقاس بجودة صياغته وحدها، بل بما حدث بعد تطبيقه. هل اختصر الوقت؟ هل أزال التعقيد؟ هل تحسنت الخدمة؟ هل زاد الاستثمار؟ وإذا لم يحدث ذلك، فلا مشكلة في الاعتراف بأن الأداة لم تحقق هدفها وإعادة تعديلها.
الإدارة الناجحة ليست التي تدافع عن قراراتها إلى الأبد. هي التي تدافع عن الهدف، وتغير الوسيلة عندما لا توصله إليه.
وهناك ملفات قد لا تحتاج أصلاً إلى مزيد من المال بقدر حاجتها إلى قرار. أحياناً تبقى القضية معلقة لأن أكثر من جهة مسؤولة عنها، وفي النهاية لا تصبح أي جهة مسؤولة بصورة كاملة. وزارة تقول إن جزءاً من الملف لدى البلدية، والبلدية تشير إلى جهة تنظيمية، والجهة التنظيمية تنتظر رأياً آخر.
هنا تصبح المشكلة في ملكية الملف.
كل قضية حكومية يجب أن يكون لها صاحب واضح. جهة واحدة مسؤولة عن دفعها إلى النهاية، حتى لو احتاج تنفيذها إلى تعاون عشر مؤسسات.
لأن المواطن لا يعنيه كثيراً توزيع الاختصاصات داخل الدولة. هو يرى الدولة مؤسسة واحدة، وعندما ينتقل بين خمس جهات من أجل المشكلة نفسها، لا يرى خمس مؤسسات؛ يرى مشكلة واحدة لم تستطع الدولة حلها.
كما أن إغلاق الملفات لا يعني الاستجابة لكل مطالبة شعبية. هناك مطالب لا تستطيع الخزينة تحملها، وأخرى تتعارض مع القانون، وبعض المشكلات لا تملك الحكومة حلاً مثالياً لها. لكن حتى في هذه الحالات، يجب أن يصل الملف إلى نتيجة.
قول «لا» المسبب والواضح قرار.
أما إبقاء القضية معلقة سنوات لأن اتخاذ القرار غير مريح، فهو نقل للمشكلة من يوم إلى آخر ومن مسؤول إلى آخر.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى شجاعة إدارية مختلفة؛ شجاعة إنهاء النقاش عندما تكون المعلومات كافية لاتخاذ القرار.
فالدراسة لها وقت، والاستشارة لها وقت، والحوار له وقت، لكن يأتي بعد ذلك وقت القرار.
وإذا استمرت مرحلة الدراسة بلا نهاية، فإن المعرفة نفسها تتحول إلى وسيلة للتأجيل.
الأردن اليوم لديه رؤية للتحديث الاقتصادي، ومسار لتحديث القطاع العام، ومشاريع استراتيجية كبرى، وبرامج مرتبطة بالمياه والطاقة والنقل والاستثمار والتعليم. وهذه المسارات ضرورية للمستقبل، لكن إلى جانبها يوجد رصيد من الملفات القديمة التي تستنزف اهتمام المواطن والإدارة معاً.
إغلاق بعضها بسرعة يمكن أن يصنع أثراً نفسياً وإدارياً أكبر مما نتوقع.
لأن المواطن عندما يرى قضية قديمة انتهت، يبدأ بالاعتقاد أن قضايا أخرى يمكن أن تنتهي أيضاً. وحين يرى المستثمر أن معاملة متعثرة حُسمت، تتغير نظرته إلى الإدارة. وعندما يرى الموظف أن القرار الذي اتخذه أدى إلى نتيجة، تصبح المؤسسة أكثر ثقة في قدرتها على الإنجاز.
وهكذا تتراكم الثقة بالطريقة نفسها التي تتراكم بها المشكلات: ملفاً بعد ملف.
ربما نحتاج في اجتماعات الحكومة إلى سؤال مختلف. بدلاً من أن يكون السؤال دائماً «ما المبادرات الجديدة؟»، يصبح جزء من الاجتماع مخصصاً لسؤال: ما الملف القديم الذي أغلقناه هذا الأسبوع؟
هذا السؤال البسيط يغير عقل الإدارة.
لأنه ينقل التركيز من النشاط إلى النتيجة، ومن عدد الاجتماعات إلى ما خرج منها، ومن عدد الكتب الرسمية إلى عدد المشكلات التي لم تعد تحتاج إلى كتاب جديد.
الأردن لا يعاني نقصاً في الخبرات التي تعرف مشكلاته. لدينا جامعات ومراكز دراسات ومؤسسات حكومية وخبراء وقطاع خاص ومجتمع مدني، ولدينا عقود من التجربة الإدارية. في كثير من الملفات، التشخيص موجود بالفعل وربما أعيد عشر مرات.
ما نحتاج إليه في المرحلة المقبلة هو الانتقال من دولة تعرف المشكلة جيداً إلى إدارة تعرف كيف تنهيها.
ليس كل ملف سيغلق هذا العام، ولا كل مشكلة لها حل سريع. لكن يجب أن يصبح الاتجاه واضحاً: الملفات القديمة تتناقص، لا تتكاثر؛ المشروع الذي يبدأ يصل إلى نهايته؛ القرار الذي يحتاج إلى حسم لا يبقى رهينة الدوران بين المكاتب؛ والمسؤول يغادر موقعه وفي سجله قضايا انتهت، لا لجان جديدة فقط.
فالحكومات لا تُذكر بعد سنوات بعدد الاجتماعات التي عقدتها، ولا بعدد الدراسات التي طلبتها، ولا بحجم البيانات التي أصدرتها.
تُذكر بما تغير على الأرض.
وبما بقي بعدها.
وبالمشكلات التي لم يعد المواطن مضطراً إلى الحديث عنها.
الأردن لا يحتاج إلى مزيد من التشخيص في كل مرة.. يحتاج إلى تحويل المعرفة المتراكمة إلى قرار، والقرار إلى موعد، والموعد إلى إنجاز، ثم وضع كلمة واحدة أمام الملف: أُنجز.












































